كتاب أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

حصل للرسول من المرسل إليه مؤانسة وإحسان- والقلوب مجبولة على حبّ المحسن فقد يتولّد من ذلك: عدم إقدامه عليه بالكلام، حياء منه، وترك مقابلته بما يكره، وفاء له، ومداهنة 1 له في الجواب- حيث لا تليق المداهنة- فيحصل من ذلك خلل لا يخفى، فإن الإحسان يقيّد اللسان، وربما يتولّد من ذلك صداقة تؤدي: إلى أن يصير بطانة 2 للعدوّ عند من أرسله، فيضره من حيث لا يشعر) 3.
وكم من دولة: كان سبب زوالها، خيانة رسولها واستمالة قلبه- كما تقدّم- فإذا اختلفت الرسل، كان ذلك أوثق لنيل ما يرومه 4 - اللهم-: إلاّ [34/أ] أن يكون الرسول ممّن به ثقة- لا يداخلها شكّ- ولا ارتياب- فإن تكرر دخوله عليه.
ومن أعظم المكائد في الحروب- كما للطرطوشي، وابن النحاس، وغيرهما-: (الكمين- ولا تحصى كثرته وتعدّده- فان قدر على أن يجعل منه ثلاثة كمائن أو أكثر فليفعل، وهو: وان كان من عدد يسير، فانه إذا ظهر: أثر في القلوب رعباً، وفي الأعضاء ضعفاً، وفي العقل خموداً 5، وفي الاقدام وقفة، ولا يدوم اقبال مقاتل- على خصمه، إلاّ إذا كان آمناً من ورائه، ومتى جوّز أن يؤتى من خلفه تشتّتت همّته بين الدفع والقتال، وضعف جأشه عن مقاومة الرجال. وكم من عسكر: استبيحت بيضته 6، وقلّ عزمه،
__________
1 - من "دهن" أي: نافق. (الزاري- ترتيب القاموس المحيط: 2/ 226).
2 - البطانة: هو صفي الرجل يكشف له عن أسراره، ويقال: "بطانة الثوب": ما يبطن به، وهى: خلاف ظهارته. (ابن منظور- لسان العرب: 304، المعجم الوسيط: 1/ 61).
3 - نقل نحوه الهروي فى "التذكرة الهروية في الحيل الحربية": 75 - 76، "في صفة الرسول الذي يرسله".
4 - أي: يظلبه، يقال: "رام الشيء" طلبه. (الرازي- الصحاح: 210، المعجم الوسيط: 1/ 385).
5 - أي سكوناً، ويقال: "خمد فلان خموداً" أي: سكن. (المعجم الوسيط:1/ 254).
6 - "البيضة": الخوذة الحديدية التي يلبسها الجنود والضباط في الحرب وفي التدريب الإجمالي ونحوهما. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: 1/ 103).

الصفحة 235