كتاب أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاةدُوا مِنْكُمْ} 1 أي: أحسبتم: أن تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، ويتميّز كل على الانفراد 2، وقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} 3 أي: لنعاملنّكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال والجهاد، حتى يتبيّن الصابر على دينه من غيرم، وتظهر أخباركم للحاضر والباد 4.
فتنبّهوا- أيّدكم الله-!: فإنكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون، وبالأحاديث المصطفيّة المقصودون، إذ بيدكم الحلّ والعقد، والرعيّة في طوعكم، فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون!؟ - وأنتم خلفاء الله في أرضه- فكيف على دينه لا تغيرون!؟، أأمنتم مكر الله- {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} -!؟ 5، أأتخذتم عند الله عهداً، فأنتم عليه متوكّلون!؟ 6، أم تعتقدون: أن كفاركم اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد؟، أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد أنفسنا ورعيّتنا، (بالخدمة) 7 على الأولاد؟!.
والنبي- عليه الصلاة والسلام-: إنما بعثه الله مجاهداً، وفي هذا العرض الأدنى زاهداً، متقنّعاً باليسير، وهو: يستعدّ لعدوّه الاستعداد الكبير، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟، وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟، وإذا لم تشمّروا 8 عن
__________
1 - سورة التوبة / آية 16، وتمامها: {وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
2 - أنظر: القرطبي- "الجامع لأحكام القرآن ": 8/ 88.
3 - سورة محمد / آية 31، وتمامها: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}.
4 - قال القرطبي: ("ولنبلونّكم" أي: نتعبّدم بالشرائع وإن علمنا عواتب الأمور، وقيل: لنعاملنّكم معاملة المختبرين، {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}، قال ابن عباس: {حَتَّى نَعْلَمَ}، حتى نميّز، وقال علي- رضي الله عنه-: {حَتَّى نَعْلَمَ}، حتى نرى). (الجامع لأحكام القرآن: 16/ 253).
5 - سورة الأعراف / آية 99.
6 - في "ب" (متّكلون).
7 - ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
8 - من شمّر ازاره تشميراً: رفعه، والتشمير في الأمر، السرعة فيه والخفة، ويقال: "شمّر عن

الصفحة 262