كتاب الأدب المفرد - ط الخانجي
وَأُمِّي، جِئْتُ أُبَشِّرُكَ بِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: أَنَّى لَكَ بِهِمْ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: هُمْ أُولاَءِ عَلَى أَثَرِي، قَدْ أَظَلُّوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: بَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ، وَتَهَيَّأَ الْقَوْمُ فِي مَقَاعِدِهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم قَاعِدًا، فَأَلْقَى ذَيْلَ رِدَائِهِ تَحْتَ يَدِهِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهِ، وَبَسَطَ رِجْلَيْهِ، فَقَدِمَ الْوَفْدُ فَفَرِحَ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم وَأَصْحَابَهُ أَمْرَحُوا رِكَابَهُمْ فَرَحًا بِهِمْ، وَأَقْبَلُوا سِرَاعًا، فَأَوْسَعَ الْقَوْمُ، وَالنَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم مُتَّكِئٌ عَلَى حَالِهِ، فَتَخَلَّفَ الأَشَجُّ، وَهُوَ: مُنْذِرُ بْنُ عَائِذِ بْنِ مُنْذِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ زِيَادِ بْنِ عَصَرَ، فَجَمَعَ رِكَابَهُمْ ثُمَّ أَنَاخَهَا، وَحَطَّ أَحْمَالَهَا، وَجَمَعَ مَتَاعَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ عَيْبَةً لَهُ وَأَلْقَى عَنْهُ ثِيَابَ السَّفَرِ وَلَبِسَ حُلَّةً، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي مُتَرَسِّلاً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم: مَنْ سَيِّدُكُمْ وَزَعِيمُكُمْ، وَصَاحِبُ أَمْرِكُمْ؟ فَأَشَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ: ابْنُ سَادَتِكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: كَانَ آبَاؤُهُ سَادَتَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ قَائِدُنَا إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلَمَّا انْتَهَى الأَشَجُّ أَرَادَ أَنْ يَقْعُدَ مِنْ نَاحِيَةٍ، اسْتَوَى النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم قَاعِدًا قَالَ: هَا هُنَا يَا أَشَجُّ، وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ سُمِّيَ الأَشَجَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، أَصَابَتْهُ حِمَارَةٌ بِحَافِرِهَا وَهُوَ فَطِيمٌ، فَكَانَ فِي وَجْهِهِ مِثْلُ الْقَمَرِ، فَأَقْعَدَهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَلْطَفَهُ، وَعَرَفَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم يَسْأَلُونَهُ وَيُخْبِرُهُمْ، حَتَّى كَانَ بِعَقِبِ الْحَدِيثِ قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ أَزْوِدَتِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَامُوا سِرَاعًا، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى ثِقَلِهِ فَجَاؤُوا بِصُبَرِ التَّمْرِ فِي أَكُفِّهِمْ، فَوُضِعَتْ عَلَى نِطَعٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَرِيدَةٌ دُونَ الذِّرَاعَيْنِ وَفَوْقَ الذِّرَاعِ، فَكَانَ يَخْتَصِرُ بِهَا، قَلَّمَا يُفَارِقُهَا، فَأَوْمَأَ بِهَا إِلَى صُبْرَةٍ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ فَقَالَ: تُسَمُّونَ هَذَا التَّعْضُوضَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَتُسَمُّونَ هَذَا الصَّرَفَانَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَتُسَمُّونَ هَذَا الْبَرْنِيَّ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: هُوَ خَيْرُ تَمْرِكُمْ وَأَنْفَعُهُ لَكُمْ، وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الْحَيِّ: وَأَعْظَمُهُ بَرَكَةً وَإِنَّمَا كَانَتْ عِنْدَنَا خَصِبَةٌ نَعْلِفُهَا إِبِلَنَا وَحَمِيرَنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ وِفَادَتِنَا تِلْكَ عَظُمَتْ رَغْبَتُنَا فِيهَا، وَفَسَلْنَاهَا حَتَّى تَحَوَّلَتْ ثِمَارُنَا مِنْهَا، وَرَأَيْنَا الْبَرَكَةَ فِيهَا.
الصفحة 535