كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
عمل غير صالح!
وهذا الذي أقدمت عليه دار المعارف، في نظري عمل غير صالح؟ لأن فيه
جراة على اعمال السابقين، وقد قال اصحاب دار صادر في نشرتهم للسان: "وأشير
علينا ان نغير ترتيب "اللسان "، ولكنا اَثرنا أن يبقى على حاله حفظاً للأئر من أن يُغَئر"
وهذا هو الحق والصواب، فان ابن منظور - ومن قبله الجوهري - قد رتب معجمه
على اعتبار آخر الكلمة وأولها بعد تجريدها من الزوائد، لأسباب اقتضت ذلك، ومن
اهم هذه الأسباب أن آخر الكلمة ئابت تصريفا واشتقاقاَ، وإنما تطرا الزيادة والتغيير
على الأول والحشو (الوسط). وإعادة ترتيب المادة المعجمية على الأول والثاني
ينفض ذلك فضلاً عما يحدثه من تعريض منهج المؤلف للاضطراب، من حيث
اختلال الِإحالات والارشادات تقديما وتأخيراً، فالمؤلف يقول وفق منهجه: تقدم
ذلك، أو: سياتي، ولا يستقيم هذا على المنهج المقلوب، فقد يكون المقدم آتياَ،
والاتي مقدمأ.
ويرتبط بتلك الدعوة دعوة اخرى خطيرة، وهي ترتيب المادة اللغوية داخل
المعجم على ظاهر اللفظ، دون رعاية للتجريد والزيادة. وفي هذا إضاعة لعلم كبير
من علومنا، هو علم الصرف والاشتقاق. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض
علمائنا الأقدمين فد ذكر في معجمه بعض الألفاظ على ظاهر لفظها لشيوع الكلمة
بشكلها هذا، لكنه كان ينبه في كل مرة إلى أن أصل الكلمة هو كذا.
ومن هؤلاء العلماء ابن الأئير المتوفى سنة 606 هفي معجمه: "النهاية في
غريب الحديث والأثر"، وهو من المعاجم المتخصصة التي رتبت المادة على الأول
والثاني والثالث، فقد ذكر في باب الحاء والدال والهاء حديث: "فجعلتُه في قبر على
حدة" ثم قال: "اصلها من الواو، فحذفت من اولها وعوض منها الهاء في آخرها،
كعدة وزنة من الوعد والوزن، وإنما ذكرناها هنا لأجل لفظها".
لكننا إذا رتبنا معاجمنا كلها على هذا المنهج، ونبهنا في كل مرة على الاصل
الاشتقافي تضخمت تلك المعاجم جداَ فيما لا غناء فيه ولا طائل تحته.
184