كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
أما ما يقال عن التيسير والتسهيل فهو كلام من يظن أن ابناء العربية كلهم صاروا
تلاميذ في مرحلة التعليم المانوي أو ما هو دونه، واننا قد تحولنا جميعاً إلى طبقة من
العوام لا تقوى على المناهج الموروثة، ولا تطول يدها الكتب الكبار، واللهم لا!
ولا ينبغي ان يكون التيسير والتسهيل سبيلاً إلى طمس المعالم وهدم الحدود.
ومن وراء ذلك كله فإن السالك هذا السبيل لا يأمن العثرة بعد العثرة، والزلة
إثر الزلة، وما أريد أن أطيل بذكر الأمثلة والشواهد، لكنني أشير هنا إلى عملين
تراثيين سلكا هذا المسلك، وما كان ينبغي لهما ذلك، أولهما: كتاب "معجم ما
استعجم من اسماء البلاد والمواضع " لأبي عبيد البكري الأندلسي المتوفى 487 هـ،
وقد نشره الأستاذ مصطفى السفا رحمه الله سنة 1945 م. والكتاب في أصل وضعه
مرتب على الأبجدية المغربية التي تخالف الأبجدية المشرقية في ترتيب الحروف،
وحين نشره الأستاذ السفا أعاد ترتيبه على ابجديتنا المشرقية المعروفة، وقد أدى هذا
إلى اختلال في إحالات المؤلف تقديماً وتأخيراً. قد تربك القارىء الذي لم يقرأ
مفدمة الأستاذ المحقق. ثم إنه رحمه اللّه قد تصرف في الكتاب تصرفاَ آخر أشار إليه
في مفدمته.
ومن العجيب حفاَ أن الناشر الأول للكتاب، هو المستشرق الألماني " وستنفلد"
حافط على ترتيب المؤلف للكتاب، وذلك في نشرته التي صدرت بجوتنجن بألمانيا
سنة 1876 م، ثم اضاف إليه فهرسة على ترتيب أهل المشرق للحروف، فأحسن كل
الِإحسان.
والمثال الثاني: كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب " - الصحابة رضي الله
عنهم - لابن عبد البر القرطبي المتوفى 463 هـ. وقد رتب كتابه هذا أيضاً على
ترتيب الحروف عند المغاربة، فجاء ناشره الأستاذ علي محمد البجاوي رحمه اللّه،
وقلب هذا الترتيب ورده إلى الترتيب المشرفي، وقد أدى ذلك إلى سقوط بعض
التراجم التي استدركها الناشر في آخر طبعته.
فالحق والصواب أن تترك الكتب كما وضعها مؤلفوها، ثم يلجأ إلى الفهارس
185