كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)

المأتم: الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ أبو العينين شعيشع، فأعجب الناس
بها إعجاباً شديدأ استحال إلى محاكاة وتقليد للأداء المصري وهجر القرَّاء العراقيون
طريقتهم " المأثورة ".
وفي سنة 1971 م كنت في زيارة لمدينة "أدرنة" بشمال تركيا، وفي مسجد
السلطان سليم استقبلنا مقيم الشعائر بالمسجد، وما أن علم أننا مصريون حتى هش
وبش وقال بالحرف: ما شاء اللّه، مصر، أزهر شريف، أنا الشيخ يوسف، سلموا على
الشيخ مصطفى إسماعيل، فأنا احبه كثيراً، لقد جاء إلينا وقرا في هذا المسجد، ثم
انطلق يردد بصوت عال آيات من سورة آل عمران جهد أن يقلد فيها صوت الشيخ
مصطفى.
واستمع إلى قرَّاء القرآن الان في الباكستان والهند والصين، وبلاد جنوب شرقي
آسيا، تجد لهذا الذي ذكرته من التأثير المصري أشباهاً ونظائر، بل إن التسجيلات التي
ملأت مصر الان لقزَاء الحرمين الشريفين، والتي يعجب بها الناس إعجاباً شديداً،
للمشايخ: علي الحذيفي، وإبراهيم ا لأخضر، وعلي باجابر، وعبد الرحمن السديس،
إنما يظهر الأثر المصري فيها واضحاً جداً لمن يعرفون الأصوات وتاريخ الشعوب في
قراءة الفراَن، " وَلَقَذ ي! رنَا أتقُؤ انَ لِلذِّقِ"] الفمر: 7 1).
لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين، فتربع قراؤها على عرش
الِإقراء: رواية ودراية، وصارت الرحلة إليهم من الشرق والغرب، ويرجع ذلك إلى
أسباب كثيرة: منها بروز الأزهر الشريف قوة كبرى مؤثرة بعد الحملة الفرنسية، وتأثير
رجاله على الحياة العامة: سياسيّاً واجتماعيّاً، ومنها استقرار الاوضاع وازدهار الحياة
بمصر ايام محمد علي وذريته، ومنها - وهو الأهم - إنشاء مطبعة بولاق والمطابع
الأهلية الأخرى، وفي هذه المطابع خرجت منظومات علم القراءات ومتونه:
كالشاطبية وشروحها، وطيبة النشر، والمقدمة الجزرية، وغير ذلك مما لا يحصى
الَان. ثم كان أبفى اثر وأخلده هو "مصحف الملك فؤاد" الذي طبع بمصر سنة
1337 هوقد قام بتصحيحه ومراجعته على امهات كتب الرسم والضبط والقراءات:
188

الصفحة 188