كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
عرف من السائل انه ما أورد لفظ "المتوفي " على الوجه الذي يكسوه جزالة في المعنى
وفخامة في الِإيراد، وهو وجه القراءة المنسوبة إليه "وَائَذِينَ يَتَوَقوْنَ مِنكُخ وَيَذَرُونَ
اَزؤَط "، بلفط بناء الفعل للفاعل، من إرادته معنى: والذين يستوفون مُدَد
أعمارهم ".
قضية لغوية:
وهذا الذي رايته من تسويغ " تَوَفى "، وإخراجه من دائرة الخطأ المحض يقودنا
إلى قضية لغوية كبيرة شغلت اللغويين قديماً وحديثاً، وهي قضية التصويب اللغوي،
وقد بدا التصنيف فيها مواكبأ لجمع اللغة وتدوينها، على نحو ما نرى عند الكسائي
(189 هـ) في الكتاب المنسوب إليه "ما تلحن فيه العامة ".
وتحت هذا العنوان كتب كثير من علماء اللغة الأوائل، مثل الفراء (207 هـ)
وأبي عبيدة (210 هـ) والأصمعي (216 هـ) ومن في طبقتهم ومن جاء بعدهم، بل
إن حركة التصحيج اللغوي هذه قد شارك فيها بعض علماء الترك في الدولة العثمانية
الذين اتخذوا العربية قلماً ولساناً، فراينا ابن كمال باشا (0 94 هـ) يؤلف كتابه "التنبيه
على غلط الجاهل والنبيه "، ثم جاء علي بن بالي القسطنطيني (992 هـ) فصنف كتابه
" خير الكلام عن أغلاط العوام ".
ومعلوم أن حركة التصحيج اللغوي قد تغيت غاية كبيرة، هي المحافظة على
سلامة اللغة، في أصواتها ومفرداتها وتراكيبها وإعرابها ودلالة الفاظها. ومعلوم أيضأ
أن التنبه للخطأ اللغوي قديم، وأن محاصرته والتوفي منه مما جاءت به السنة والاثر،
فقد رُوي: أن رجلاً لحن بحضرة رسول اللّه! ي!، فقال: "أرشدوا أخاكم "، وروي
عنه عليه السلام انه قال: "أنا من قريش ونشأت في بني سعد، فأنَّى لي اللحن؟ ".
وقال أبو بكر رضي الله عنه: " لأن أقرأ فأُسقِط أحب إليئ من أن اقرأ فألحن".
وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما: "من
أبو موسى " فكتب إليه عمر: " أما بعد فاضرب كاتبك سوطاً واحداً وأخِّر عطاءَه - ا ي
راتبه - سنة ".
198