كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
هارون الرشيد وصور شائهة:
ولن يتسع المقام هنا لذكر ما كان من هذا التخليط في كتابات الدارسين
المحدثين، لكني اكتفي بذكر مثال واحد، من كتاب له عند الناس مكانة كبيرة، ذلكم
هو كتاب "قصة الحضارة " لول ديورانت. يقول عن هارون الرشيد: "وتصور لنا
القصص - وخاصة قصص ألف ليلة وليلة - هارون الرشيد، في صورة الملك المرح
المثقف المستنير، العنيف في بعض الأوقات، الكريم الرحيم في أغلب الأحيان،
المولع بالقصص الجميلة ولعاً يحمله على أن يسجلها ويحتفظ بها في ديوان
محفوظات الدولة. وتبدو هذه الصفات كلها فيما كتبه عنه المؤرخون، إذا استثنينا
منها مرحه، ولعل السبب في ذلك أن هذا المرح قد أغضب المؤرخين، فهم
يصورونه اولاً وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك اشد التمسك بأوامر
الدين، ويقولون إنه فرض أشد القيود على حرية غير المسلمين، وإنه كان يحج إلى
مكة مرة كل عامين، وإنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة مع الصلوات
المفروضة، ويقال: إنه كان يشرب الخمر، ولكن هذا لم يكن إلا سرّاً مع عدد قليل
من خاصة أصدقائه. ويقال: إنه تزوج من سبع نساء. . . "، قصة الحضارة، الجزء
الثاني من المجلد الرابع ع 90، 91 - ترجمة الأستاذ محمد بدران. مطبعة لجنة
التأليف والترجمة والنشر - الطبعة الثانية، القاهرة 4 196 م.
فهذه صورة شائهة مهزوزة لهارون الرشيد، تتأرجج بين المدح والذم، وقد
استخدم فيها المؤلف "منهج العكس " حيث يقدم صورة الرشيد كما جاءت في ألف
ليلة وليلة، وهي صورة " الملك المرح "، ولكن هذا المرح أغضب المؤرخين - وهو
يقصد المؤزخين العرب المسلمين، بلا شك - فصوروه في صورة الورع المتمسك
بالدين. فهؤلاء المؤرخون في نطر " ديورانت " كاذبون مزيفون، ساءهم مرح الرشيد،
فاخترعوا له صورة معكوسة، عكس الواقع.
وفضلاَ عن ذلك كله ففي كلام "ديورانت" خبط كثير، وجهل بتاريخ الأمة
وشرعها. وتأمل قوله: " وتزوج من سبع نساء"، وقد علق على هذه العبارة مترجم
227