كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)

وسَزَت النفس امسِ ذات الفرا شات التي ريمُ جيدها صَنَمُ
ثم قال: "هذا بحر المنسرح فاعرفه: بحر طروب إلى جارية وحشية عروب ".
وأقول: حسبنا ان نذكر من هذا البحر رائعة المتنبي التي أولها - وهو مما قاله
في صباه:
أهلاَ بدارِ سَبَاك اغْيدُها أبْعَدُ ما بانَ عنك خُرَّدُها
شرج القصيدة وتحليلها:
تبدا القصيدة في روايتها المسندة، وفي سائر الكتب بهذا البيت:
مِن قبلها طِبت في الظلال وفي مستودع حيث يُخصف الورق
ولا ينبغي أن يظن ان هناك نفصاَ؟ فإن الرواية مجمعة على هذا الاستفتاح،
وهو استفتاح غريب حقاَ، وهو دال على حالة شعورية عجيبة، فكأن الشاعر طوى
أشياء كثيرة في صدره، قفز منها إلى مفصوده الأعظم وشاغله الأقوى، او كأنه
لا يحفل بما تعارف عليه الشعراء في عصره من استفتاح القصائد، فكأنه لا يحب أ ن
يرد طريقاَ مسلوكاَ. ولو وقع مثل هذا البدء في شعر شاعر من القوم في زماننا هذا
لكان لنقادهم فيه ضجيج واحتفال. . .
وقوله: "من قَبلها" أي من قبل الخليقة، أضمر لغير مذكور، والعرب تفعل
ذلك توسعاً واختصاراً وثقة بفهم السامع، وقد جاء منه في الفراَن والشعر ما
لا يُحصى كثرة، كقوله تعالى: " كل مَنْ عَلَئهَا فَان %*) " 1 الرحمن: 26)، وقوله: " مَا
تَرَثَ عَكَ ظَقرَها مِن دَاله "] فاطر: 45،، أضمر " الأرض " في الايتين، وقوله:
"فَلَؤلَاَ إذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ لإِ-فيلَح " 1 الواقعة: 83،، وقوله: "* إِذَا بَاَنَتِ اَلتَرَاقِىَ (* * "
1 الفيامة: 26)، اضمر "النفس والروح " في الايتين، ومن ذلك إضمار " الخمر" في
قول ابن المعتز:
وندمان دعوتُ فهَبَّ نحوي وسلسلها كما انخرط العقيقُ
254

الصفحة 254