كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)

يجيء الكاتب الفادر المبين، فإذا بهذه الأشياء الحبيسة تنطلق من عقالها، وإذا
بالأفكار والخواطر تأتيه من كل مكان، وتنثال عليه انثيالاً، وتزدحم أمامه ازدحاماً،
وكأنها قوافي سويد بن كراع التي وصفها:
أبيت بأبواب الفوافي كأنما اصادي بها سرباً من الوحش نُرعا
فيقيد منها الشارد، ويستدني منها البعيد، فيكون فرح القارىء بما قرا معادلاً
لسروره بما استخرج.
الجاحظ والعربية:
وقراءة الجاحط إذا اخذت بحقها قادت إلى المكتبة العربية كلها، بفنونها
وعلومها المختلفة، إذ كان الجاحط كثير الالمام بالعلوم العربية، لا يكاد يشذ عنه
منها شيء وبخاصة في "رسائله" التي لم تؤت ما تستحقه من الدرس؟ لأن الناس
شغلوا عنها بكتبه الأخرى: البيان والحيوان والبخلاء والعثمانية. على ان أهم ما
تستثير 5 عندي قراءة الجاحط الان هو: ما حط شباب هذا الجيل من كتب الجاحط
ومن إليه؟
لقد قال ابن خلدون قولته الشهيرة: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أ ن
اصول هذا الفن - علم الأدب - واركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن
قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحط، وكتاب النوادر لأبي
علي الفالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها".
ونعم، لقد أحسن كل الِإحسان من عد هذه الكتب الأربعة اصول علم الأدب،
فإن كتاب ابن قتيبة يدور حول اللغة، في تسمية الأشياء وخلق الِإنسان والحيوان،
واصول الهجاء، وضوابط الأبنية، وتقويم اللسان ولحن العامة. وكتاب المبرد كتاب
لغة ونحو وأخبار - وبخاصة اخبار الخوارج - وكتاب الجاحظ دائر حول البيان
والبلاغة والخطابة، مع الاسترسال إلى المعارف الأخرى، وكتاب القالي المعروف
بالأمالي والنوادر، كتاب لغة وغريب وشعر، فمن حضل هذه الكتب، ثم أطال
الوقوف عندها والنظر فيها فاز بأوفر الحظ والنصيب.
261

الصفحة 261