كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
وهذه الكتب كانت متاحة لنا في صدر شبابنا: في دار الكتب المصرية بباب
الخلق، وفي مكتباتها الفرعية داخل القاهرة، وفي عواصم الأقاليم، ثم كانت تغص
بها مكتبات الكليات الجامعية، بل في كثير من مكتبات المدارس الثانوية، ثم كانت
تلك الكتب قريبة إلى عقولنا وقلوبنا بذكر اساتذتنا لها، ونقلهم عنها، وحثهم لنا
عليها وإغرائهم بها، ومطالبتهم إيانا باستظهارها، إذ كانوا يرون انها اوعية العلم ولا
اوعية غيرها، وكذلك كانت مألوفة لنا بإحالة الأدباء والكتاب عليها في المجلات
والدوريات الثقافية.
والان: جفت الينابيع، وصوَّح النبت، فدار الكتب اصبحت كبئر معطلة
ومكتبات الكليات الجامعية تطايرت محتوياتها إلى بيوت بعض الأساتذة: غنيمة
باردة، وعارية غير مستردة، أما تعامل الأساتذة والكتاب مع هذه الكتب فأنت تعرفه!
واسأل طلبتي في السنة النهائية (الليسانس) عن هذه الكتب فلا أظفر إلا بصبابة
قول، لا تكاد تتجاوز اسم الكتاب، مع تخليط كثير في بعض أسماء الكتب وأسماء
أصحابها. . . ولا تلوموهم ولوموا انفسكم.
ثم اعود إلى مكتبتي وأطيل النظر إلى قسم الادب منها، وأكرر سؤالاً أعرف ألا
جواب له: من يقرأ هذه الكتب، كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءاً بالمفضليات
والأصمعيات، وانتهاء بالكشكول والمخلاة للعاملي، وقروناً بين ذلك كثيراً: دواوين
الشعر ومختارات الأدب والحماسات والأمالي والمجالس، وكتب المعاني وكتب
الأمثال: تجارب امم، وعقول أقوام استودعوها بطون الكتب، وأدتها إلينا أجيال
وفية من الرواة والحفظة والنساخ والمحققين، حفظوها وصانوها كما يصون كرام
الأبناء وداح الاباء.
وقل مثل هذا في سائر علومنا: تفسير القرآن وعلومه، ودواوين السُّنَّة، وكتب
الفقه وأصوله، وعلم الكلام والتصوف والتاريخ والائساب والبُلدانيات (الجغرافيا)
والمعارف العامة، واللغة والنحو والبلاغة. فمن يقرا هذه الكتب الان فضلاً عن
اقتنائها؟
262