كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
استخفافاَ باللغة وهزءاَ بنظامها واعرافها. لقد قرأت ذات يوم في جريدة كبرى كلاماَ
لشاعر يقول فيه: "نرفو أعراف الديكة فوق شرائح السمك البلطي " هكذا قال، وأنا
اقول: لماذا سمك البلطي بالذات؟ الأنه عريض؟ إن " سمك موسى " أعرض منه!
كلام ليس من كلامنا:
وفي العدد السادس من "اخبار الأدب " الجديدة، وفي الصفحة الثامنة
والعشرين ترى هذا العنوان: الفتوحات: شعر. . . وفي أحد مقاطعه يقول تحت
عنوان: الخليل بن احمد: "حملت الدلاء على كتفي، وكنت أبص على جسد
كالنديف، ولكنها كانت الأرض باردة، تتخللنا وتحيط اصابعنا باليقين، وتتركنا،
قلت: أمشي وراء المطنات، أطرح ما حسبت أنه رعوي، ومنسدل، مثل مهر جميل
على جسد الصحراء، وأدعك أطراف جسمي ببعض الغيوم، وانفضها، فاكتشفت بأن
الدم العبّ يحتجب الروح في جسد من رقائق طينية. . أن جسراَ من الريح، يعلو على
الأرض كي نتغطى به كالمرايا، وحين نفر إلى الله، نشهد انفسنا، رائعين، ومجتلبين
إلى الكون نحصر فيه الفساد، نبوبه في سجلات أعراضنا، ثم نردمه خلف بحر قديم
تداركنا، فاعلن فاعلن ".
ما هذا يا قوم؟ إني واللّه اسال تعلماَ لا تعنتاً عن معنى هذا الكلام! إن هذا
الكلام وامثاله مما يطلق عليه شعر، إنما هو كما قال ذلك الأعرابي وقد حضر
مجلس الأخفش فسمع كلاماً لم يفهمه، فحار وعجب، فقال له الأخفش: ما تسمع يا
اخا العرب؟ فقال: إاراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا"، او كما
قال القاضي الفقيه ابن دقيق العيد، عن الصوفي الشهير ابن سبعين: " جلست معه من
ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاماً تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته ".
ثم إن السلامة اللغوية مطلوبة في كل عمل أدبي، بل هي مطلوبة بداهة في كل
كلام يجري بين العقلاء، فما معنى "أبصّ" في هذا الكلام؟ لم يرد هذا الفعل في كلام
العرب بمعنى النظر، وإنما يقال: بص الجرو - وهو ولد الكلب - أي فتح عينيه،
وفتح العينين غير النظر. فهي إذن عامية مُعْرِقة. قال المرتضى الزَّبيدي في تاج
265