كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)

لقد كتبت وكتب غيري عن المستوى المتدني للغة العربية على ألسنة المتكلمين
وأقلام الكاتبين: من شباب هذا الجيل، لكننا نعالج هذه القضية بكثير من التخوف
والتردد والمصانعة والحذر من إغضاب الناس، والتحسب لردود الفعل التي قد تعطل
مصالج العباد، وتقصي القريب وتقزَب البعيد:
وفي النفس أشياء وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب
والقضية لا بد أن توضع في حاق موضعها إن كنا صادقين:
اولاَ: إعادة النظر في مناهج تدريس العربية بدءاَ من الابتدائي وانتهاء
بالجامعة، بحيث تكون مناهج ترد التلاميذ إلى تاريخهم، وربطهم بعلم الَاباء
والأجداد - ولا أقول تراثهم؟ فإن هذه الكلمة قد أصبحت بغيضة عندي جداَ، لما
توحي به هذه الأيام عند بعض الناس من الماضي السحيق والفولكلور والمتحفيات -
ولعلي افرد لذلك مقالة، إن شاء اللّه.
لقد كنا في طفولتنا وصدر شبابنا نحفط الشعر الجاهلي ومتون العلوم في
الصباح، ونلعب الكرة الشراب عند العصر، فجرت اللغة في عروقنا واختلطت
بلحمنا وعظمنا، وما امر "مجموعة النظم والنثر" لعبد اللّه باشا فكري، و"المنتخب
من أدب العرب " للسكندري وأصحابه، ببعيد، وهكذا الشأن عند سائر الأمم،
فتلاميذ المدارس الِإنجليزية يقرأون "شكسبير" ويعرفونه جيداَ، وتلاميذ المدارس
الالمانية يقرأون "جوته " ويعرفونه جيداً، مع الاحترام الزائد والتوقير الشديد.
ثانياَ: تنفية الجو الادبي خارج المدرسة والجامعة من الأوشاب والأخلاط.
فالمدرسة والجامعة لا يعملان بمعزل عن الحياة العامة، لقد كان طلاب ذلك الزمان
السعيد يقراون أصول العلم في معاهدهم، ثم يقرأون مرة أخرى على صفحات
الرسالة والثقافة والمقتطف والهلال. ألم ينشر طه حسين "حديث الاربعاء" منجماً في
"البلاغ "؟ ألم ينشر أبو فهر محمود محمد شاكر كتابه العظيم عن المتنبي عددأ خاصاً
من " المقتطف "؟
267

الصفحة 267