كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)

الأمين على قلب المصطفى المختار ليخرج الناس به من ظلمات الوثنية والشرك إلى
نور الِإيمان وصفاء التوحيد.
ثم كان ان هدى الله بهذا القرآن العظيم أقواماً، فأقبلوا على تلاوته، وتدبر
أغراضه ومراميه، وتمثلوا اوامره، وانتهوا عن نواهيه. وكان هو كتابهم الذي
يعتصمون به ويلجأون إليه فيما دق وجل من أمورهم.
وبقيت طائفة - ختم اللّه على فلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة -
لم تهتد ولم تذعن، وظل عداؤها للقراَن قائماً، فأخذت تنقر وتنقب، التماساً للمعابة
في هذا الكتاب المحكم، باتباع متشابه، وتحريف كلم عن مواضعه، وتخيل فساد
نظم، أو لحن أسلوب، أو تناقض معنى، وقد أخذت هذه الطائفة تدب دبيباَ في
القرنين الأولين، تستخفي باَرائها مرة، وتُصحِر بها أخرى. لكنها في كلتا حالتيها لم
تترك أثراَ يذكر، إذ لم تكن لها شوكة، وكانت العقيدة على صفائها، لم تكدرها
مقولات المتكلمين، ولا خلافات المتأولين، ثم كان اللسان العربي لا يزال صحيحا
محروساَ لم يتداخله الخلل، ولم يتطرق إليه الزلل.
لكن الصغير يكبر ويشب، والزرع الضعيف يستحصد ويقوى، وتأتي أيام
كالحات، تنجم فيها الفتن بدواعٍ كثيرة: منها اختلاط اللسان العربي بغيره من
الألسنة، وانتشار الكتب المترجمة بغثها وسمينها، وتغلغل اهل المذاهب والنِّحل
الأخرى في صلب العقيده الِإسلامية، وإغرائها بالجدل وعلم الكلام، وأصْحَر اهل
العداء القديم بآرائهم، وإذا الذي كان بالأمس هَمْساَ ونجوى يصبح اليوم وله دويّ
وصليل، فأخذت المجالس وحلقات الدرس تموج بتلك الاراء وتضطرب، وإذا
بالذي كان مشافهة ومسامرة يسطر ويكتب وتتعاوره الأيدي.
ولم يكد المسلمون يدخلون في النصف الثاني من القرن الثالث حتى انكشف
كل خبيء وظهر كل مكنون، واستعلن العداء للقرآن وللعربية ملفقاً في ثياب الخلاف
الفلسفي وارومي، ثم ما جر إليه كل ذلك من القول بفتنة خلق القرآن وأشباه لها من
الكوائن والطافَات.
271

الصفحة 271