كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 1)
لكن الله الذي تكفل بحفظ كتابه وفق طائفة من عباده ذادةً منافحين، قاموا لهذه
المطاعن والشبهات، والقوا بحججهم وبراهينهم فإذا هي تلقف ما يأفكون. ولعل
اول حامل لهذا اللواء هو الِإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة
الدينوري، خطيب اهل السنة، المولود سنة 213، والمتوفى سنة 276، فقد انتدب
لهذه الشكوك والمطاعن التي تثار حول القراَن، فجمعها ثم سدد إليها سهامه واعمل
فيها معاوله، فاقتلعها من جذورها، وكان مجلى ذلك كتابه العظيم "تأويل مشكل
الفرآن " إلى ما نثره في كتبه الأخرى، مثل " تأويل مختلف الحديث ".
ئم ظهرت مسالة "إعجاز القرآن " مبحثاَ قائماَ بذاته، يقصد إليه قصداَ. وكانت
تلك المسالة "من أبرز المسائل التي تعاورها العلماء بالبحث اثناء تفسيرهم للقرآن،
وردهم على منكري النبوة، وخوضهم في علم الكلام، كعلي بن رَبَن كاتب المتوكل
في كتاب "الدين والدولة "، وكأبي جعفر الطبري في تفسيره "جامع البيان عن وجوه
تأويل آي القرآن "، وكأبي الحسن الأشعري في "مقالات الِإسلاميين "، وأبي عثمان
الجاحظ في كتابه: "الحجة في تثبيت النبوة ".
وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن، فقد ذهب النظَام
- من بينهم - إلى ان القرآن نفسه غير معجز، وإنما كان إعجازه بالضَرفة، وقال:
"إن اللّه ما انزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان
الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه، لأن الله تعالى صرفهم عن
ذلك، وسلب علومهم به".
وذهب هشام الفُوَطي، وعباد بن سليمان إلى ان القرآن لم يُجعل علماَ للنبي،
وهو عَرض من الأعراض، والأعراض لا يدل شيء منها على اللّه ولا على نبوة
النبي. وكان ذلك وغيره من اقوال ائمتهما منبعاَ غزيراَ للفول في إعجاز الفرآن. وقد
انبرى كثير منهم للرد على من انكر إعجاز 5 جملة، كأبي الحسين الخياط وأبي علي
الجئائي، اللذين نقضا على "ابن الراوندي " كتابه: 1 الدامغ " الذي طعن فيه على نظم
القرآن وما يحتويه من المعاني، وقال: إن فيه سفهاً وكذباَ. وكذلك رد كثير منهم
272