كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 2)

وإذا بلغ الكبار هذا المبلغ من سعة العلم وغزارة المعرفة كان حقيقاً على الناس
أن يُوسِعوا لهم في المعذرة، وأن يتغمدوا أخطاءهم. ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة
التابعي الجليل " قتادة بن دِعامة الشَدوسي" انه كان يرى القول بالقدر، وهي مقالة
منكورة عند أهل السنة والجماعة، ثم عقَب الذهبي على ذلك، فقال في كتاب سير
أعلام النبلاء 5/ 271: "ثم إن الكبير من أهل العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحزَيه
للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحُه وورَعُه واتباعُه، يُغْفر له زَلَله،
ولا نضفله ونطرحه وننسى محاسنه ". وهذا كلام عال نفيس في تأصيل موضوعية
النقد ورحابة الصدر العلمي، والِإنصاف في تغليب الِإيجابي على السلبي في
الحكم على الرجال، على حد قول زفر بن الحارث:
أيذهب يومٌ واحدٌ إن اسأتُه بصالح أيامي وحُسْنِ بلائيا
وقول المتنبي:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً فأفعاله اللائي سَرَرْن ألوفُ
وقول الَاخر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنُه بألف شفيع
وهكذا ينبغي أن يُنظر إلى محمود شاكر، أنه من هذا الطراز؟ رجل حضَل من
العلم ما لم يحصله غيره، وجمع من الكتب ما لم يجمعه سواه، وقرا قراءة ما أطاقها
أحد من جيله، ثم إنه راعه ما راى فيه الأمة من جهل وتأخر، وفزع من قضية انتحال
الشعر الجاهلي، واهتاج لما رآه من محاولة اغتيال تاريخ الأمة العربية، في علومها
ومعارفها كلها، وطَمْس معالم حضارتها، ولم تكن المسألة عند الرجل من باب
التوهم والظنون، والتماس المعابة عند الَاخرين، فقد قامت دلائلها عنده واضحة
جلية، ثم أثبتت الأيام صدقها فيما بعد.
وحين ظهرت أمامه صدع بالحق وكشف العلة، وحطَّم الأغلال، ولم يبال بمن
يقع عليه مِعْوله، قديماً كان او حديثاً، من ابناء دينه او من غيرهم، وكثير من الناس
619

الصفحة 619