كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 2)
غاية دينية:
ومع ذلك التوقي وا لحذر، فقد رأى علماء ا لسلف من التابعين ومن بعدهم، أنه من
الواجب عليهم ان ينهضوا لتفسير كلام الله، بعد ان اخذوا له أخذه، وأعدوا له عدته، من
تأمل الكتاب الكريم كله، ورد بعضه إلى بعض، ثم النظر فيما انتهى إليهم من أحاديث
رسول النّه ع! يد وسننه القولية والفعلية، وما هدي إليه كبار الصحابة من تفسير وتأويل.
وقد اعان هؤلاء السلف أيضاَ ما قام به جامعو اللغة ورواة الشعر، مما وضع
أمامهم زاداً وفيراَ من الألفاظ والتراكيب والمعاني، فتمت لهم أدوات التفسير
والتاويل والبيان.
وكان وراء هذا الذي قام به علماء السلف غاية دينية، هي حفظ ذلك الكتاب
العزيز من أن تتناوله ايدي الجهلة وأصحاب الأهواء والملل والنحل، وبخاصة أ ن
الأمة الِإسلامية كانت قد انفتحت في ذلك الزمان على ثقافات ومعتقدات الأمم
الأخرى، يؤنس بهذا ما ذكره العلامة الطوفي، في الموضع المذكور من كتابه، قال:
" لعل علماء السلف رحمهم اللّه رأوا ان الكلام في القرآن متعين عليهم، وانهم أولى به
ممن أتى بعدهم، لقربهم من التنزيل ومعرفة التاويل، فيكون ورعهم وزُهدهم
وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه، خشية أن يدرس من علم شريعة اللّه ودينه
ما لا يمكن تداركه، وراوا ان الخطا عنهم في ذلك موضوع (أي مرفوع معفو عنه)
كالأحكام الفرعية الاجتهادية، وذلك كما حكي عن موسى بن عقبة، لما راى ما دخل
على مغازي النبيئ ع! يد، من الزيادة والنقص، جمع ما صح عنده من المغازي
ليحرسها بذلك من الكذب ".
وهكذا اندفع علماء هذه الأمة يوماَ بعد يوم في استثارة كنوز هذا الكتاب
الحكيم، وكشفها والِإبانة عنها، بل إن علوماَ بأكملها قامت ابتداء لخدمة ذلك
الكتاب العزيز، ثم صارت بعد ذلك علوماَ مستقلة، لها مناهجها وأدواتها وغاياتها،
مثل النحو وإعجاز القراَن الذي صار أساساَ لعلوم البلاغة. ومن هنا اصبح علم
التفسير جامعاَ لعلوم العربية كلها، وقد سبق تعريف الزركشي لعلم التفسير، والعلوم
635