كتاب مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي (اسم الجزء: 2)

المطوية تحت جناحه، وقد جاءت كتب التفسير كلها بعد ذلك دائرة في فلك علوم
العربية كلها، إلا ما قد يكون عند مصنفي التفسير من غلبة فن على فن، فالطبري
يغلب عليه الاهتمام بالاثار وتفسير القرآن في ضوئها، والزمخشري يميل إلى
البلاغة، والفرطبي يغلب عليه الاهتمام بالففه والأحكام، والفخر الرازي يهتم بعلم
الكلام وما إليه من العلوم العقلية، والواحدي يغلب عليه الغريب - اي علم الغريب
في القرآن، من حيث اللغة - والثعلبي يحتفل بالقصص.
وبذلك لم يحظ كتاب سماوي بمثل ما حظي به هذا الذي أنزلى على
محمد ع! يو، من التأليف في لغته ونحوه وبلاغته وقراءاته وأشباهه ونظائره وناسخه
ومنسوخه وفضائله، سيل متدافع من الكتب: طوالها وأوساطها ومختصراتها، بحيث
اصبح من السهل اليسير على من يريد معرفة معنى لفظ من ألفاظ القرآن الكريم،
أو معنى عام منه، أو حكم من أحكامه، أن يجد بغيته من ايسر سبيل، ولم يقصر
علماؤنا رضوان الله عليهم في كشف المشكل وإيضاح المبهم. لكن قومأ ضعفت
سلائقهم العربية، أو قعدت بهم هممهم فتكاسلوا عن البحث والتفتيش والمراجعة،
فشَروا بعضا من القراَن العزيز بآرائهم، ومن عند أنفسهم، فض! وا وأض! وا، حين
تابعهم الناس على هذه الوجوه من التفسير، وهذه آفة الافات.
وهذا هو الذي اراده الجاحظ بقوله: "وإنما يؤتى الناس من ترك التثبت وقلة
المحاسبة "، انظر: الأوائل للعسكري 1/ 333، وهو أيضأ ما قاله الشيخ عبد القاهر:
" وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه "، دلائل الِإعجاز ص 1 36.
ويلاحظ ان معظم وجوه الخطأ في تفسير القرآن الكريم تأتي من سرعة
الاستشهاد بالاية القراَنية معزولة عن سياقها، منتزعة من أسباب نزولها، مع الغفلة
عن وجه الِإعراب فيها، إلى اشياء أخرى تظهر إن شاء الله من الأمثلة.
ومن العجب أن بعض هذه الوجو 5 الخاطئة من التفسير قديمة، وقد استمرت
إلى يومنا هذا، وهو ما أسمِّيه " تفسير العوام "، وأريد بالعوام هنا: غير أهل العلم،
الذين يتحرون الصواب، ولا يقولون إلا بعد المراجعة والمفاتشة والتقصي.
636

الصفحة 636