كتاب إتحاف الإلف بذكر الفوائد الألف والنيف من سورة يوسف

259 -
قال ابن عاشور:
"وإنما فوض يعقوب -عليه السلام - الأمر إلى الله، ولم يسع للكشف
عن مصير يوسف -عليه السلام -، لأنه تعذر ذلك عليه، لكبر سنه، ولأنه لا
عضد له يستعين به على أبنائه أولئك.
وقد صاروا هم الساعين في البعد بينه وبين يوسف -عليه السلام -،
فأيس من استطاعته الكشف عن يوسف -عليه السلام -بدونهم، ألا ترى أنه
لما وجد منهم فرصة قال: (اذهبوا فتحسصوا من يوسف وأخيه! " (1).
8/ 234 ا- الاقتصار في معرفة المراد من أقصر السبل.
قال البقاعي:
" ... فكأنه قيل: هل صدقهم؟ فقيل: لا، لأن العادة في مثله أنه لا يكله
كله، فلا بد أن يبقي منه شيء يعرف انه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة
لساحتهم، وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادرأ على
مطالبتهم بذلك، ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور
لا تطاق، فخاف من أن يفتح بالبحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من
المحذور، بدليل قوله بعد ذلك: (فتحسسوا من يوسف وأخيه! ونحو ذلك" (2).
8/ 235 ا- الدعي يضخم الأحداث ويقلب الأمور ليصدقه الناس.
قول يعقوب -عليه السلام - لأبنائه: (والله آتم! تعان على ما تصفون!
في غاية البلاغة، لأنه كان متأكدأ من كذبهم، وواثقا أنهم ألحقوا بأخيهم
الضر، وأنهم ضخموا الحدث وقلبوا الأمور، ليصدقهم -عليه السلام -.
(1) "ا لتحرير وا لتنوير" (2 1/ 5 4 2).
(2) "نظم الدرر" (4/ 18).

الصفحة 259