كتاب إتحاف الإلف بذكر الفوائد الألف والنيف من سورة يوسف
875 -
عن واحد من أولئك الأربعة شيء مثل ما جاء به الني الأمي، ولا عرف
أحدهم حتى بالرواية عن رسول الله.
نتصفح تواريخ الرجال، فلا نكاد نجد فيها ما يشعر بأنه لأحد أولئك
النفر رواية، حتى لما كان يقول الرسول من أحاديثه، فأنى لأولئك الجاحدين
الجامدين أن يزعموا أن الرسول قد تخرج على أحدهم!!!
يزعم أولئك المبطلون: أن الرسول قد استفاد كثيرا من رحلاته إلى
الشام، حيث المدنية ورهبان النصراني، والقوانين الرومانية، وما هم في تلك
المزاعم الأولى بأحمق منهم في هذا الزعم الأخير؟ ف! ن محمدا لم يغب عن قومه،
ولا كئرت اختلافاته إلى بلاد أهل الكتاب ليستمد شيئا من علومهم، بل عاش
بين قومه يرعى كغيره من الأنبياء الغنم في صغره وشبابه، وما خرج عنهم إلا
في رحلتين إلى الشام، ولم يتم أولاهما بل رده إلى مكة عمه أبو طالب ب! شارة
من الراهب! يرا، وكان عمره إذ ذاك تسع سنين، وبلغ في ثانيتهما الشام، في
تجارة لخديجة بنت خويلد صضي الله عنها- وكان في سن الخامسة والعشرين،
ولم يطل في هذه الرحلة مكثه بالشام مدة يحتمل فيها أن يتعلم القليل من
العلم، بل بله الكثير، بل كان في سفره لا يكاد ينفك عن قومه ورفاقه، صالا
لو غاب عن قومه بضع سنين، لقالوا له: لعلك تعلمت هذا مدة غيابك عنا،
ولم يتفوهوا بمثل هذا، مع أنهم كانوا يحاولون أن يلصقوا به هذه الشبهة، وهي
التعلم من الناس، و-أيضا-؟ فأي حامل يحمل هذا الفقير، الذي نشأ هذا
المنشأ الذي بيناه، ولم يوجد من ينبهه ويرشد فكره لفضيلة العلم، حتى يترك
ما يقتات! روهو في تلك البلاد الأجنبية، ويترك ما به إرضاء لخديجة التي
بعثته لتلك البلاد، ويجهد نفسه في البحث عن عالم ليس من أمته، ولم يكن
على عقائدهم، ويرضخ له حتى يبعث في قلبه كل هذه التعليمات، وشملم له
فيما خالف معتقد آبائه وأجداده؟.