كتاب تحرير علوم الحديث (اسم الجزء: 2)

وتحرير القول في الإرسال الخفي، أنه: رواية الراوي عمن أدركه بصيغة العنعنة، وثبت أنه لم يسمع منه البتة، أو سمع منه شيئاً معيناً ولم يسمع منه غيره.
وهذا يعود إلى أسباب:
أولها: صغر الراوي، فلم يتهيأ له السماع من الشيخ البتة، أو سمع منه أو رأى شيئاً معيناً فبقي يذكره، فرواه.
مثل جماعة من التابعين رأوا بعض الصحابة ولم يسمعوا منهم، كالأعمش، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، رأوا أنس بن مالك ولم يسمعوا منه.
وممن سمع لهذه العلة حرفاً أو شيئاً يسيراً ولم يسمع غيره، ما رواه الحسن البصري عن عثمان أنه رآه يصنع أشياء، أو يأمر بأشياء فمن ذلك: قوله: رأيت عثمان يخطب وأنا ابن خمس عشرة سنة قائماً وقاعداً (¬1).
وعنه: أنه رأى عثمان بن عفان يصب عليه من إبريق (¬2).
وعنه قال: شهدت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام (¬3).
¬_________
(¬1) أخرجه ابنُ سعد في " الطبقات " (7/ 157) وإسناده حسن.
(¬2) أخرجه ابن سعد (7/ 157) وإسناده صحيح .......
(¬3) أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم: 1301) وابنُ أبي الدنيا في " ذمِّ الملاهي " (رقم: 138) _ ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (5/ 245 رقم: 6536) _ وعبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (رقم: 521) والذهبي في " السير " (10/ 317) من طرق عن المبارك بن فَضالة، عن الحسن، به، وبيَّن مُبارك سماعه من الحسن، وإسناده صحيح.
وتابعه عليه: يونس بن عبيدٍ عن الحسن أن عثمان، ولم يقل: شَهدت، أخرجه عبد الرزاق (11/ 3 رقم: 19734) وإسناده صحيح.
كما تابعه: يوسف بن عبدة قال: حدثنا الحسن، قال: كان عثمان لا يخطب جُمعة إلا أمرَ .. الأثر. أخرجه البخاري في " الأدب " (رقم: 1301) وإسناده حسن، يوسف صالح الحديث.
كما ذكره الذهبي في " السير " (4/ 568) من طريق قتادة وشعيب بن الحبحاب عن الحسن، قال في رواية قتادة: سمعت عثمان، وفي رواية شُعيب: شَهدت عُثمان.
فالخبر بهذه الطرق صحيح بلا ريبة عن الحسن عن عثمان.
تنبيه: من غريب ما وقفت عليه من التحريف: أن البيهقي أخرج هذه الرواية في " السنن " (2/ 413) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يونس، عن الحسن، أن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، كان يأمر بغسل الكلاب في الحمام. كذا وقعَ في المطبوعة، وفي هامشها تنبيه على الرواية الصحيحة عن أكثر من نسخة: (يأمر بقتل الكلاب والحمام)، لكن يبدو أن الناشر أبقى على هذه الرواية في أصل الكتاب من أجل الباب الذي أوردها البيهقي تحته، حيث قال: " باب نجاسة الأبوال والأرواث وما خرج من مخرج حي " مع ما ذكره تحته من الرواية فإنه لا يُناسبه إلا هذه الرواية المحرَّفة.

الصفحة 965