كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
وله أفكار وفلسفات متشعبة في أمور الحياة والكون والإنسان والذي يهم في موضوع الاجتماعي أن هوبز عالج موضوع المجتمع على أساس نظرية التعاقد الاجتماعي، حيث يرى خلافًا لأرسطو أن الإنسان ليس اجتماعيًا بطبعة، ويرى هوبز أن البشر في حالتهم الفطرية الأولى لا ينفكون يتنازعون ويتقاتلون، وينظر كل فرد منهم إلى الآخر نظرة ملؤها الخوف والشك، وكان من نتيجة ذلك -حسب نظرته- هذا العراك المتصل والحروب الدائمة، وشأن المجتمع في هذا عنده شأن الكون الطبيعي، الذي يعتمد على الحركة بين أجزائه وما فيها من جذب ومقاومة، فهو في نظرته هذه مادي، يرى أن الكون يسير سيرًا آليًا، وكل ما يقع فيه مسير -حسب فلسفته- بقوة مادية، وبناء على هذه التسوية بين المجتمع والطبيعة في الصراع الاجتماعي الذي قاسه على الحركة الكونية، رأى أن كل فرد يسعى لتحقيق ذاته والمحافظة عليها، ولا يحصل ذلك إلّا بزوال الخوف، والخوف لا يزول إلّا بالتعاهد والتعاقد، بحيث يتفق الجميع على أن يتناول كل فرد عن جزء من حقوقه وحريته المطلقة فيحد من مطالبه ولا يحاول الظفر بكل ما يشتهي، فيصبح مقيدًا لصالح المجموع الذين ثم بينهم هذا التعاقد، وبهذا يقوم المجتمع وتنشأ الدولة، في مجتمع مدني له حكومة معينة تحمي من الفوضى وعدوان الأفراد على بعضهم وينشط في المجتمع الإنتاج والنشاط الصناعي والزراعي والتجاري وأي نشاط إنساني آخر.
ويغالي هوبز مغالاة شديدة حين جعل الدولة كل شيء، فلا حقيقة إلّا ما تنادى به، ولا حق إلّا ما ترضاه، ويجب أن تقاس قيم أي عمل من الأعمال بما تفرضه من قانون، فهي عنده كما وصفها في بعض كتبه "التنين الجبار" الذي يبتلع في جوفه كل الأفراد، فالدولة تبتلع الأفراد وتنمحي شخصياتهم وإرادتهم أمام شخصيتها وإرادتها، وأفضل أنواع الحكومات عنده حكومة الفرد المتفوق في عقله وحكمته؛ لأنه يرى أنه إن كانت له مطامع ومصالح شخصية فإنها تقتصر عليه وحده، وهذا وضع أفضل -حسب رأيه- من الوضع الآخر الذي تتعدد فيه المصالح الشخصية.
فهو من دعاة الحكم المطلق باعتباره يغني عن المنازعات الحزبية