كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
٣ - جان جاك روسو ١١٢٤ - ١١٩٢ هـ/ ١٧١٢ - ١٧٧٨ م:
ولد في جنيف ومات في باريس، كان برتوستنتًا ثم تحول إلى الكاثوليكية، وجاب المدن والأقطار، وتعرف على فلاسفة وعلماء عصره وكتب كثيرًا، ويبدو أن حياته القاسية أصابته بعقدة اضطهاد فكان سيء الظن بالناس، دائم التشهير بهم وبنفسه، وكان شديد الكبرياء، كثير الخجل والكسل، وكانت شخصيته بالغة التعقيد وصعبة للغاية ومضطربة عقلًا، مقرونة حياته بالفشل في أكثر أعماله مليء بالإحباط وخيبة الأمل والبؤس والمرارة، وخاصة بعد أن عومل من قبل صالونات الأدباء والفلاسفة في باريس معاملة لم يكن يرجوها، وكانت هذه الصالونات يشرف عليها ويرعاها نساء باريسيات مسرفات في الرذائل والعشق والغزل، ويتسترن تحت رعاية الفن، وكان يحضر هذه المجتمعات رجال البلاط وعلية القوم في فرنسا، في جو متألق بالأحاديث والمحادثات الممزوجة بالدسائس الاجتماعية والفضائح الجنسية، والإغراق في جو المرح والهزل والمزاح والضياع، فنفر روسو من هذا الجو ووجده أشبه ما يكون بمدينة لوط "سادوم" بملاهيها الفاسقة المترفة وبفلاسفتها المزورين.
ومن هنا رد روسو أسباب سقوط حضارات مصر واليونان وروما إلى آثار الترف، وعبودية مترفيها للذائذ والشهوات (¬١)، كان روسو قارئًا نهمًا وحالمًا واسع الخيال، ولكن لم يكن بالشخص الكفؤ للمجتمع وللحياة الاجتماعية.
ويعتبر روسو فيلسوف الثورة الفرنسية التي حدثت بعده، ويشاركه في ذلك فولتير (¬٢)، وقد كانا متعاصرين متناقضين في كل شيء، بل لقد حارب
---------------
(¬١) وهذا استنتاج صحيح، وفي القرآن العظيم قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)} [الآية ١٦ من سورة الإسراء].
(¬٢) هو: فرانسو ماري أرويه دي فولتير، فرنسي ولد سنة ١١٠٥ هـ/ ١٦٩٤ م، صنم من أصنام الحداثة والعلمنة، ومؤلفاته قبلتهم الفكرية، يقول بأن دينه هو الإنسانية، =