كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
في طبيعته فعندئذ ليست ثمة ضرورة للمجتمع كليًا، وهذه هي النظرية الفوضوية التي تبناها بعض أتباع روسو، وكان روسو أحيانًا يعظ بهذه النظرية، ولكني تبنى في الواقع نظرية مخالفة لها -وهذا من تناقضه- فالمجتمع، كما يرى روسو، بعيد كل البعد عن كونه غير ضروري، إذ أنه الضروري الضرورة المطلقة بالنسبة للفرد، وإن مهمتنا -حسب قول روسو- أن نعيد بناءه وتحويله من قوة مفسدة إلى قوة نبيلة ترتفع بالإنسان، وهكذا انطلق روسو عارضًا في كتابه "العقد الاجتماعي" مواصفات دولة طوباوية (¬١) ديمقراطية اشتراكية.
ويرى أن الدولة لا تنشأ من العائلة، ويقول: إن الحب والزواج هما بدعتان مشؤومتان من بدع الحضارة وتمثلان مؤامرة حبكتها النساء، وأن الملكية الخاصة هي اختراع مشؤوم أيضًا، جاءت نتيجة للاغتصاب وهي مجلبة للظلم والطمع واللامساواة والحروب، ولذلك فالدولة عنده ليست طبيعية ولا عضوية، وهو على خلاف فلسفة هوبز لا يرى أن البشر قد سلموا مختارين وأحرارًا بالخضوع لدولة هوبز الاستبدادية، فالدولة تنشأ عن عقد، ولكن حتى اليوم لم يشترع العقد السليم المطلوب، فبعض البشر الأقوى من غيرهم الأقل أخلاقًا، قد فرضوا إرادتهم مستخدمين قوة مخاتلة وغدارة، والأكثرية الساحقة من الناس ساذجة سهلة الانخداع، لكنها لابد أن تستيقظ، ويقظتها ليست بعيدة، وينبغي للبشر أن يتخذوا عقدًا اجتماعيًا يرتكز إلى المساواة بغية تأمين حرياتهم العامة وممارستها، وهم لن ينصبوا ملكًا عليهم، بل سينصبون أنفسهم حكامًا، فالملك إنما هو "الإرادة العامة" وهذه هي إرادة الجميع "الشعب" كله جماعيًا وسياسيًا، ويرى النقاد أن روسو في هذه النظرية، ما كاد يحرر البشر حتى استبعدهم لهذا التجريد أي "الإرادة العامة"، زد على ذلك أن الفرد يدين بجميع حقوقه للدولة، فعقد روسو لا يحتفظ
---------------
(¬١) الطوباوية لفظ مشتق من الكلمة اليونانية طوبا، وتدل على ما لا يوجد في أي مكان، ويراد بها كل فكرة أو نظرية لا تتصل بالواقع أو لا يُمكن تحقيقها. انظر: المعجم الفلسفي: ص ١١٣.