كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

للفرد بأية حقوق طبيعية؛ لأنه يعتقد عدم وجود أي حق للفرد خارج المجتمع، فالمرء لا حق له في حال الطبيعة، بل له فقط سلطة القوة.
وقد رأى الناس كيف أساء الدكتاتوريون استعمال "إرادته العامة" خلال الثورة الفرنسية التي انفجرت بعد سنوات قليلة من وفاته.
كما أن روسو جعل من أصول نظريته وجود "دين مدني" "دين ربوبي رسمي" يتوجب على كل مواطن أن يدين به يعاقب الخارج عليه بالإعدام (¬١)، ومن هنا اعتبر روسو النموذج الأول للفاشية، من حيث أنه يدعو إلى دين تفرضه الدولة على مواطنيها بالقوة والإرغام.
وقد ارتبط اسم روسو بالإلحاد والزندقة المعروفين في القرن الثامن عشر، على الرغم من أن مقاومته للملاحدة والزنادقة كانت السبب الكبير وراء خلافه مع فولتير، وحقيقة الأمر أن روسو كان جريئًا في تحديه للدين، وخروجه على أخلاق وتقاليد عصره، ومن أهم آرائه الاجتماعية والأخلاقية، إنه نفى العنصر الإيماني من الأخلاق، وجعل مدار ذلك كله المصلحة الدنيوية المجردة، الملخصة في تحقيق أحسن طرائق التعاون مع المجتمع في الحدود الدنيوية فقط، ومن أجل الوصول إلى المنفعة الخاصة أو العامة إذا أمكن ذلك، ومن أجل تعويض النقص الخطير في فصل الدين عن الأخلاق جعل للمجتمع دينًا مدنيًا لا يدع للفرد ناحية من نواحي الحياة مستقلة عن الحياة المدنية.
وهذا الدين الذي يوجبه روسو ليس دينًا سماويًا، ولكن يقول ينبغي أن يكون للإنسان والمجتمع دين وفي الوقت نفسه لن يخضع لأي إله، وهذا أيضًا من تناقضه.
والمتجردون من تلامذته يرون أن الدولة التي يريدها روسو هي الدولة التي بلغت الكمال المطلق، حيث تنتفي فيها كليًا المصالح الأنانية وتصبح هذه المصالح مندمجة تمامًا في الإرادة العامة، حيث يبلغ التضامن
---------------
(¬١) المعجم الفلسفي للحفني: ص ٢١٧.

الصفحة 2094