كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

الاجتماعي ذروة الكمال، وحيث يجب أن يدين الفرد بالولاء المطلق للمجتمع الكامل.
والحكومة المثالية في نظره هي الحكومة الديمقراطية المحضة، ويتبع هذا أن الوحدة الحكومية ينبغي أن تكون وحدة صغيرة، ويطالب بحكومة مركزية ضعيفة، والديمقراطية الغربية النيابية التمثيلية السائدة اليوم لو اطلع عليها روسو لضحك من تبجحهم بأنها ديمقراطية؛ لأنها على خلاف نظرته التي أسسها في العقد الاجتماعي، ومع ذلك فإن روسو في الحقيقة كان مؤيدًا ونصيرًا لجماعات صغيرة تقيم دولًا مترابطة ترابطًا رخوًا من خلال نوع من الاتحاد، ويعد روسو عند الأوروبين رائد التجديد المطلق وداعية الإصلاح الشامل لحضارة يراها فاسدة ميؤسًا من صلاحها، وداعية المساواة والديمقراطية والبساطة والاشتراكية والعودة إلى الطبيعة، والمستقبلية المتفائلة، ولكثرة تناقضاته لا يزال الباحثون في فكره حتى اليوم يتجادلون حول معانيه ومراداته، ويعدونه واضع لبنات الرومانسية، إلّا أنهم ما زالوا حتى اليوم يرون كتابه "اعترافاتي" من أعظم المنجزات بما فيه من جرأة جنسية حتى أن كولن ولسن قال عن نفسه في "رحلة نحو البداية" لما تحدث عن الجنس: (في هذا الكتاب لم أحاول أن أكون صريحًا صراحة روسو؛ لأن ما يُمكن أن اعترف به أقل بكثير مما كان لدى روسو لكي يعترف به، ولقد تصرفت في حياتي دائمًا تصرفًا عادلًا تمامًا وملائمًا لما تمليه على أفكاري -وفي الهامش- يشير إلى كتاب جان روسو الشهير "اعترافاتي" الذي كان أول الاعترافات الصريحة في العصر الحديث، ويعتبر مرجعًا لتربية الفيلسوف وعناصر التحرر التي كونت موقفه الاجتماعي والفكري والنفسي المتحرر) (¬١).
ولما انفجرت الثورة الفرنسية جعلت اسمه على كل لسان وشفه مع اسم فولتير ولقبت روسو بالفيلسوف الأول، ورغم تناقضاته الهائلة، ورغم الأمراض العقلية التي كان يعاني منها أصبح "العقد الاجتماعي" يشكل تحولًا
---------------
(¬١) رحلة نحو البداية: ص ٣٨٠.

الصفحة 2095