كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
هذا نوع من الانبهار والانشداه الغريب يظهر مقدار الإعجاب الغرب ومفكريه، ودرجة "كانت" على وجه الخصوص عند المقلدين المهازيل.
وسوف أعرض هنا جملة أقوال كانت في القضية الاجتماعية ونرى هل هي بالعصمة التي حاول المنبهر وصفه بها! ! .
نشر كانت في سنة ١١٩٩ هـ/ ١٧٨٤ م شرحًا موجزًا لنظريته السياسية تحت عنوان "المبدأ الطبيعي للنظام السياسي من حيث علاقته بفكرة تاريخ عالمي شامل"، ويعني بالمبدأ الطبيعي لأي نظام الصراع الذي يوجد متأصلًا في الفرد ضد المجتمع، ويعد كانت صدام الفرد ضد المجتمع خيرًا وإيجابية، بل يراه أمرًا ضروريًا لكل تقدم مأمول، وهو عنده الباعث الحقيقي للنزعة الاجتماعية، يوضح فكرته مقررًا: أن البشر لو كانوا كلهم بشرًا اجتماعيًا لترهل الإنسان وجمد، ولذا فإن من الضروري أن يكون هناك مزيج معين من الفردية والمنافسة، ليتمكن البشر من البقاء والنماء.
يبتدئ كانت وينتهي في القضية الاجتماعية إلى تقرير قاعدة أن "الصراع باعث الاجتماع".
ولكن بالرغم من ذلك -يرى- أنه سرعان ما يدرك البشر أن هذا الصراع يجب أن يحصر داخل حدود معينة، وأن تنظمه القواعد والعادات والقوانين، وهنا يكمن عنده أصل تطور المجتمع المدني، فهذه الفردية التي يعبر عنها بـ "اللااجتماعية" هي التي أرغمت البشر على الانتظام في مجتمع، وهي بالنسبة للأفراد أرغمتهم على إنشاء اتحاد مدني ينتظمه القانون، فاستطاع الأفراد أن يتخلصوا بذلك من الحال الطبيعية وارتباطها الهمجي، وأن يتعاقدوا على المحافظة على السلام.
أمَّا بالنسبة للشعوب -بوصف الشعب تراكمًا للأفراد ليس غير- فإن هذه الروح الفردية تدفع كل شعب لممارسة حرية طليقة من كل قيد في علاقاته الخارجية، وعلى ذلك فيمكن أن تترقب كل دولة من أية دولة أخرى ذلك الشر والعنف الذي أرغم الأفراد على التعاقد الاجتماعي لصون السلام.