كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

ويفسر التاريخ بأن معناه وحركته بأكملها أنه هو الذي يتجه بالأمم كما اتجه بالأفراد من قبل إلى التخلص من الحالة الطبيعية للمجتمعات الإنسانية، وإلى التعاقد فيما بينها لحفظ السلام، ووضع حدود للعدوان والمشاحنة والعنف والتوسع المتزايد والمستمر للسلام.
وفي تفسيره لتاريخ الجنس البشري يعود إلى مبدئه الأساسي "الصراع" باعتباره وسيلة للتقدم، ويدخل في أبواب الفرض والتخمين، فيحول هذه الفرضية التي اخترعها إلى نظرية يفلسف بها تاريخ الجنس البشري، ويحيل -كأي فيلسوف مادي- على الطبيعة صنع الأشياء، فهي التي أوجدت الدستور السياسي الكامل الداخلي والخارجي في الجنس البشري الذي ليس إلّا منفذًا لمخطط خفي وضعته هذه الطبيعة! ! .
ومن المعروف عن كانت أنه تأثر بالفيلسوف الملحد "هيوم" وقال عنه بأنه أيقظه من سباته الاعتقادي، ولذلك اتجاه إلى تيار النزعة التجريبية التي قرأها عند هيوم.
وقد توجه كانت إلى هذه النزعة بقوة وقرر بأن العقل هو مصدر الحقائق، كالحقائق الرياضية التي لا يشك في ثبوتها، ولكنه شك في المعرفة الميتافيزيقية وفي قدرة العقل على الحصول على هذه المعرفة، ولذلك قرر بأن العقل حاجز عن التدليل على وجود اللَّه "جلَّ وعلا"، ولكن ما سماه العقل العملي يقدر على افتراضه، أو كما قال لو كان لنا حدس عقلي لكانت الميتافيزيقية علمًا، ولكن حدسنا حسيًا وليس عقليًا، وبناء على ذلك فقد أبعد كانت قضية الدين والإيمان عن مسائل الأخلاق وروابط المجتمع (¬١).

٥ - أوجست كونت ١٢١٣ - ١٢٧٤ هـ/ ١٧٩٨ - ١٨٥٧ م:
فيلسوف وضعي فرنسي، ولد لأسرة شديدة التعلق بالكاثوليكية
---------------
(¬١) انظر: المسألة الاجتماعية: ص ١٢٧ - ١٣٢، ومنه جلّ المعلومات، ومعجم الفلاسفة: ص ٢٧٤ - ٤٧٨، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٣٧٢ - ٣٧٧.

الصفحة 2098