كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
والملكية، ولم يكن أحد من أفراد هذه الأسرة صحيحًا عقليًا، وكان كونت عصبي المزاج، ووقع بعد عام ١٢٤١ هـ/ ١٨٢٥ م تحت تأثير مرض عقلي، وازداد عليه في قرب عام ١٢٤٥ هـ/ ١٨٢٩ م وحاول أن ينتحر غرقًا في نهر السين، وبقي مريضًا في عقله في صورة مستمرة زهاء عامين، وكان شديد الكراهية لأسرته، وكفر باللَّه تعالى وأبغض الملكية وعاداها، بسبب بغضه لأهله، ورد فعل ضدهم لتعلقهم الشديد بالدين والملكية، وتزوج من بغي واستمر زواجه بها سبع عشر عامًا كانت وبالًا عليه، وعاش فترات طويلة من الضياع والعوز المادي، وكانت حياته سلسلة من الإحباطات والعلاقات الفاشلة، والتقى بالفيلسوف "سان سيمون" وتأثر به أبلغ تأثر وانطبع بكثير من آرائه وأفكاره، ثم اختلفا وتعاديا، وتعرف كونت في سنة ١٢٦٠ هـ/ ١٨٤٤ م على "كلوتيلد دي فو" وهي امرأة في الثلاثين من العمر متزوجة، وزوجها كان خارج فرنسا، وكانت مصابة بالسل، وبقي كونت معها صديقًا وعشيقًا إلى أن ماتت بعد عامين، فانصرف إلى عبادتها بكل ما في الكلمة من معنى، وستطال هذه العبادة كل الأشياء والذكريات التي بقيت له منها، وسيظهر أثرها واضحًا في مذهبه بما بات يعطيه للمرأة بصفة عامة من دور، وفي وقت احتضاره أحاط به تلامذته الذين سيتولون من بعده تنفيذ وصيته، كان يحتضن الأشياء التي تركتها كلوتيلد، وحرم زوجته في وصيته من الإرث، بعد أن عدد نقائصها وعيوبها، وأورث منزله الذي علم فيه السنوات الأخيرة من حياته للجمعية الوضعية وما تزال هذه الجمعية قائمة إلى اليوم.
يُعد أوجست كونت والد "علم الاجتماع" المعاصر، حسب ما جاء في الكتب التي ترجمت له، وهو في الوقت ذاته رائد "المدرسة الوضعية".
جاء كونت بعد أن حصلت في أوروبا تقلبات اجتماعية وفكرية كبيرة، وحصلت فجوات هائلة في بنية الحياة هناك بعد أن سقطت مقومات الماضي التي كانت تملأ الحياة الغربية، ذهبت الأنظمة والأوضاع التي دامت قرونًا متوالية، وأنهار الدين النصراني، وتضعضعت مبادئ الأخلاق، واهتزت قواعد المجتمع، كل ذلك أتى عقيب العصر الذي يسمونه عصر التنوير، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث تم هدم الماضي، ولم يتم بناء