كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
شيء جديد بعد، وكان الشيء الوحيد الذي تعلقت به الأنظار متسلية عما وقع بها هو التطور التقني، ولكن ذلك لم يستطع أن يغطي على الأسقام الكبيرة التي أعقبت هدم القيم والتقاليد والأقطار الماضية، ونقض الكنيسة حجرًا حجرًا وتقويض بنيانها المعنوي، الذي تلاه الفراغ الروحي والنفسي والاجتماعي، فعلى الرغم من ضلال الكنيسة وخرافة تعاليمها، إلّا أنها كانت تمثل دينًا يأوي الناس إليه ويقتبسون منه مسيرة حياتهم الاجتماعية، على ما في ذلك -كما أسلفت- من ضلال وجور وخداع واستغلال، ولكنه كان على كل حال دينًا، أو قل شبه دين، يربط بين السماء والأرض بنوع من الرابطة ولو كانت واهية.
بعد أن سقطت هذه الرابطة وتمزقت تمامًا وأصبح الإنسان الغربي مقعيًا على الأرض، التفت يبحث عن شيء يتشبث به، وتوجه زعماء الفكر إلى العقل الذي تحرر من سلطان الكنيسة وحقق انتصارات في مجال الطبيعة، لعلهم يجدون فيه "الدين الجديد".
هنا برز أوجست كونت، الهائج المضطرب المعادي للكنيسة بقوة، فأطلق مبادئ "الدين الجديد" الدين المادي الدنيوي الذي لا يمت إلى دين الكنيسة ولا إلى أي دين سماوي بصلة، وكان هذا الدين تحت شعار "الفلسفة الوضعية العقلية".
بدأ كونت بدراسة التاريخ البشري -حسب زعمه- فاكتشف القانون الذي سارت عليه الحياة البشرية، كما يقول.
ودراسة تاريخ العقل البشري التي ادعاها كونت هي في الحقيقة دراسة للعقل الأوروبي؛ لأنه قد صرح بأن الهند والصين -مثلًا- لم يسهما في تطوير العقل البشري، فهذه أول النقائص في فلسفته، وبداية الادعاءات.
ثم وضع القانون القائل بأن التقدم البشري، والعقول والعلوم مرت بثلاث مراحل:
١ - اللاهوتية، وهي مرحلة خرافة، فيها تقدم الآلهة للإنسان مبدأ التفسير والفعل.