كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

فكرة كلية أزلية عظيمة تتصل بها نفوس الناس، وتتلخص هذه الفكرة عنده في "الإنسانية" التي يجب -عنده- أن تحل محل الإله، طالما أن الدين جاجة ملازمة للمجتمع، وخاصة من خواص النوع الإنساني، وديانة الإنسانية هي عبادة الإنسانية باعتبارها الموجود الأعظم الذي تتشارك فيه الموجودات الماضية والحاضرة والآتية، وهنا يأتي المضمون الوضعي الآخر الذي هو "الخلود".
فالإنسانية هي العقيدة والديانة الوضعية المتطورة لعقيدتي "اللَّه" -جلّ جلالُه-، و"الخلود" التي كانت البشرية تؤمن بها في المرحلة الثانية، وبذلك تكون الإنسانية قد تخلصت من العقائد الدينية الغيبية، وما يتصل بها من قيم وأخلاق وشرائع ونظم اجتماعية وغيرها، واعتبارها مجرد أفكار ومحاولات إنسانية متخلفة جاءت في مرحلة كانت فيه البشرية قاصرة وغير مكتملة وغير ناضجة (¬١).
ومن هنا فرع كونت ومن جاء بعده هذه القضية، فعلى الناس بعد اعتناق الدين الوضعي الجديد، وعبادة الإله الجديد "الإنسانية" عليهم أن يستخرجوا النظم والمثل والقيم والأخلاق والتنظيم الاجتماعي منه وحده دون سواه.
وهنا نشأ علم الاجتماع اللاديني، المادي، الأرضي، الدنيوي، الذي يجعل الإنسان مجرد شيء من الأشياء، وما كانت نظرية كونت هذه لتأخذ مكانها من الشيوع والانتشار والتطبيق لولا جهود تلميذه اليهودي الفرنسي "أميل دوركايم" الذي طور أقوال كونت وأنزلها إلى "أرض الواقع ووضع لها قواعد، وأهتم على ضوء الفلسفة الوضعية الإلحادية بالمشاكل العملية (¬٢).
---------------
(¬١) هذا أصل من أصول الحداثة.
(¬٢) انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٣٨٠ - ٣٨٣، ومعجم الفلاسفة: ص ٤٩٨ - ٥٠٢، وموسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٣٠١ - ٣٠٥.

الصفحة 2102