كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

٦ - دوركايم (¬١) ١٢٧٥ - ١٣٣٦ هـ/ ١٨٥٨ - ١٩١٧ م:
ورث هذا اليهودي الفرنسي الناشيء في أسرة متدينة علم الاجتماع بهيئته الوضعية من أوجست كونت، وسعى جاهدًا في دهاء تلمودي هدام إلى استثمار هذه الفلسفة في الواقع المعاش، وأصبح رائدًا لعلم الاجتماع بعد كونت، وأستاذًا في جامعة السوربون، وكان تابعًا لكونت ثم صار ناقدًا له.
يرى دوركايم أنه لا تصح دراسة الاجتماع من خلال أفكار وانفعالات الأفراد، ولكن مباشرة من خلال استقراء الأنظمة والآداب والفنون التي يعتبرها جميعًا من مظاهر الحياة في المجتمعات الإنسانية، ويتمثل فيها جميعًا الضمير الجماعي الذي يفعل فعله في الأفراد، ويضغط عليهم إلى حد قسرهم على اتخاذ مواقف قد تختلف مع آرائهم الخاصة، ومعنى أن الاستقراء إحصائي هو أن دراسة الانتحار مثلًا كواقعة اجتماعية يعني دراسة المعدل الإحصائي للانتحار في المجتمع، فهو يرى أن الانتحار ظاهرة اجتماعية بمعنى أن ارتباط حدوثه بين الرجال أكثر من النساء والشيوخ والأطفال، وفي شهور الربيع أكثر من بقية السنة، حيث الرجال أكثر اندماجًا في مجتمعاتهم، وشهور الربيع أكثر من الشهور اقترانًا بالنشاط الاجتماعي، ومن ثم لا يكون هناك تفسير لزيادة معدل الانتحار إلّا التفسير الاجتماعي، وبهذا المنظور المادي البحت.
ويرى دوركايم أن كل مجتمع له نظامه التربوي الذي يفرض نفسه بقوة على أفراده، وهو في أغلبه من عمل الأجيال السابقة، ومن ثم فالتربية هي تأثير الأجيال البالغة على الأجيال التي لم تنضح بعد للحياة يتطلبها المجتمع السياسي ككل، والطبقة المفروض أن ينتسب إليها بشكل خاص، والتربية في الطور الوضعي الذي يعنيه ويقصده دوركايم تربية علمانية عقلية، فهو يرى أن الأخلاق في المجتمعات الدنيا دينية، لكنها في الطور الوضعي اجتماعية تستهدف مصلحة الجميع.
---------------
(¬١) سبقت ترجمته.

الصفحة 2103