كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

وهكذا أراد دوركايم أن يهدم الدين، والأخلاق من جذورها، فأقام ما أسماه "فلسفة العقل الجمعي" وادعى أن العقل المشترك للمجتمع هو الموجه لكل فرد فيه، بل هو المكون لكل فكرة في كل فرد، ومنشيء المذاهب والعادات والمفاهيم (¬١).
ومحور فكرة دوركايم في العقل الجمعي أن المجتمع هو الكيان الإنساني، وقد أخذها الماركسيون من بعد ليكون أساسًا لمذهبهم الاقتصادي ونظريتهم الاجتماعية التي جعلت اهتمامها مركزًا على المجتمع مضحية بالفرد، وقد اتجه دوركايم بخلفياته اليهودية التي أخبر اللَّه عنها بأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وركز في دراساته الاجتماعية على:
أ- تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيرًا ماديًا لا يعترف بوجود اللَّه تعالى ولا بالغيبيات، ولا بأي شيء وراء العالم المادي.
ب- اختراع فكرة "العقل الجمعي" الذي يحرك الناس دون إرادة منهم ولا تفكير، ولا قدرة على المقاومة، وحين يعرف العقل الجمعي تجد أنه موجود خارج عقول الأفراد، وهو ليس مجموع عقولهم، ولا يشترط أن يكون موافقًا لعقل أحد منهم، ولا لمزاجه الخاص، وهو يؤثر في عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم، وهم لا يملكون إلّا أن يطيعوه ولو على غير إرادة منهم.
وهذا العقل الجمعي المزعوم والمسيطر، دائم التغير فهو يبيح اليوم ما منعه بالأمس والعكس، دون ضابط ولا منطلق معقول.
وبناء على هذا فلا يُمكن -عند دوركايم- أن يكون هناك ثبات لشيء من القيم إطلاقًا (¬٢)، فلا الدين ولا الأخلاق ولا السلوك ولا الآداب ولا سائر القيم لها ثبات، بل هي دائمة التغير، يغيرها
---------------
(¬١) من هذا المنطلق نجد أن الحداثيين يرون الخروج على المجتمع وأخلاقه ومذاهبه أصلًا للحداثة الفكرية والأدبية.
(¬٢) وهذا أصل حداثي أصيل.

الصفحة 2104