كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
ويؤثر فيها العقل الجمعي الذي لا سلطان للبشر عليه ولا حول لهم ولا قوة معه.
وكما ادعى أوجست كونت إلهًا هو "الإنسانية" فقد ادعى دوركايم إلهًا آخر هو "العقل الجمعي" وراحوا جميعًا يتعبدون لهذه الآلهة المزعومة، ويخضعون لسلطانها وقهرها وغلبتها التي لا يُمكن الفكاك منها مطلقًا، حيث يبقى الناس أمام تلك الأرباب المدعاة بلا اختيار ولا حرية ولا تصرف ولا إرادة، إنها الجبرية المادية متمثلة في هذا التصور المادي الإلحادي، كما تمثلت في الجبرية الاقتصادية الماركسية.
جـ- سعى دوركايم إلى إلغاء مقتضيات الفطرة الإنسانية النازعة إلى الإيمان باللَّه تعالى وعبادته وإلى فضائل الأخلاق، وإلى بناء الحياة الاجتماعية على نظام الأسرة القائم على الزواج، وادعى بكل جرأة تخريبية أن الدين والأسرة والزواج التي كان يظن أنها من الفطرة ليست كذلك؛ لأن التاريخ -حسب زعمه- يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان.
د- يفسر دوركايم الدين والأخلاق في المجتمعات الإنسانية تفسيرًا ماديًا بحتًا، ويزعم أنها وليدة أسباب اجتماعية فقط، وليس لها سند من الحقيقة، وليس لها دوافع في الفطرة الإنسانية (¬١).
وهكذا غرس دوركايم بأسطورته الخرافية "العقل الجمعي" مجموعة من الأمراض الاعتقادية والسلوكية والاجتماعية، وقد أخذ عن داروين فكرة التطور الدائم، وفكرة القهر الخارجي الذي يقهر الفرد على غير رغبة ذاتية منه فيطوره رغمًا عنه، وأخذ عنه التفسير الحيواني للإنسان، فهو لا يفتأ يستشهد في كل حالة بما يحدث في عالم الحيوان (¬٢).
---------------
(¬١) و (¬٢) انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ١٨٣ - ١٨٤، وكواشف زيوف: ص ٣٣٣ - ٣٤٦، والتطور والثبات في حياة البشر: ص ٥١ - ٥٧.