كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
وهذا يعني أن النية الداخلية تحدد الموضوع في ذات الإنسان قبل أن يتصوره في الخارج، ذلك أن الذريعة هي أساس المعرفة عند البرجماتي (¬١).
ويرى بعض فلاسفتهم أن علم التربية يجب أن يخضع لمبدأ عملي؛ لأن المطلوب هو تخريج أناس عمليين لا يهتمون بالفكر المجرد.
وبناء على الفلسفة البرغماتية فإن الغطرسة الغربية تغطي على أذهان وعقول الناس هناك، وتتمثل في وهم صارخ يطل من حياتهم وممارساتهم، ويتسلل إلى المستعبدين في الشرق فيملأ ما في نفوسهم من تفاهة وهزيمة وفراغ، مؤدى هذا الوهم "البرغماتي" أنه طالما أن الغرب قد ارتقى صناعيًا وتقنيًا وبنى وشيد المصانع ووصل إلى الأفلاك وحاز القوة، فذلك دليل على أن مساره الفكري والخلقي والاعتقادي صحيح وجيد، ولمن أراد أن يصل إلى الرقي والازدهار، فلابد أن يسلك المسالك الفكرية والاجتماعية والاعتقادية التي سلكها الغرب.
ومنشأ هذه الخرافة أن العظمة العلمية تستبع حتمًا أن يكون الإنسان كله قد ارتقى، فلابد إذن أن تكون الأخلاق والعادات والتقاليد الموجودة في عصر الذرة ومجتمع التقنية، أفضل من مثيلاتها في العصور السابقة! ! .
وما دام الإنسان في المجتمع الغربي لا يؤمن بإله ولا يتقيد بخلق، ويستبيح الفوضى الجنسية، وينكر القيم العليا ولا يقر بأسرة ولا يطيع أوامر الدين، ولا يتردد في استعمال أي وسيلة للوصول إلى منفعته ومصلحته، فلابد إذن أن يكون هذا كله هو الحق؛ لأن هذا هو عصر العلم والنور والحقيقة! ! .
وقد نسي الغارقون في هذه الخرافة أن المقياس الحقيقي لعظمة الإنسان ليس هو جهاز الحاسب الآلي ولا ارتياد الفضاء، ولا الأقمار الصناعية ولا الصاروخ، ولا القنبلة الذرية التي يدمر بها الحياة والأحياء، وإنّما المقياس الحقيقي للحضارة والرقي خلفية هذا كله من عقيدة صحيحة
---------------
(¬١) انظر: المصدر السابق الصفحة نفسها.