كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

وخلق قويم، وأثر هذا في مشاعره وعواطفه، وكيانه النفسي على وجه العموم، فإذا انطوى الإنسان والمجتمع على عقيدة صحيحة، وفكرة عن الإنسانية أوسع وأشمل وأعمق من الأفكار المادية، وفكرة عن الحياة أكبر وأرفع، فقد ارتقى حقًا.
ولن يكون الغرب قط راقيًا حتى يغير نظرته للأحياء والحياة والأشياء، ويقيم فلسفة على أساس غير البراغماتزم أو غير الغاية النفعية للأعمال.
وإنّما ينكر الغرب المادي "البرجماتي" كل القيم العليا ويؤمن بالمادية النفعية، لأسباب عديدة منها ظروف البيئة الأوروبية التي جعلت شعوبًا مختلفة تزدحم على رقعة ضيقة من الأرض قليلة الخيرات فأصبح الصراع هو الغالب على طبائعهم، لا التعاون والحب، وصارت تسيطر على مشاعرهم تلك الواقعية المادية التي لا ترتفع عن محيط الأرض وعالم الضرورة، فهو إذن عيب اضطرتهم إليه ظروف معينة وليس مزية تشتهى كما يتصور المغفلون.
وامتلاك التقنية والقوة لا يستلزم النفور من مقومات الإنسانية الحقة، ما دام قد أمكن عمليًا أن يجتمع هذا وذاك حين كان العالم الإسلامي -وقت تمسكه بالإسلام- يمتلك القوة العملية والحربية والسياسة والاقتصادية، أضف إلى ذلك أن امتلاك القوة على الأسس المادية النفعية لم يجلب للإنسانية غير الخراب والدمار والظلم، فهو قائم على الصراع لا على الحب، وعلى أن الغلبة للأقوى لا لصاحب الحق، وعلى أن التسلط والقهر والظلم والعدوان لا ضير فيها ما دامت تصدر من دولة عظمى (¬١).
ومن مجموع هذه المذاهب والفلسفات، والآراء الفكرية، تكونت الحياة الاجتماعية الغربية، حياة تقوم على نبذ الدين والخلق، وأصبحت الديانة فيه للمادة والجنس والشهرة والغلبة، وأضحى الترابط الاجتماعي قائمًا على الروابط النفعية، والصلات المصلحية.
---------------
(¬١) انظر: الإنسان بين المادية والإسلام: ص ٢١٨ - ٢٢١.

الصفحة 2108