كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
لقد اجتمعوا في سفينة مخروقة يقودها بحارون معتوهون، مجتمع يعيش الإفلاس والحيرة والضياع والتمزق والأمراض العصبية والعاهات النفسية.
يقول رينيه دوبو (¬١): (ووصف الإنسان بأنه "آلية من الذرات ليس إلّا" لا يؤدي تفسيرًا كاملًا لطبيعته، والأسباب التي يتبعها الباحث في هذا الموضوع تحدد نوع الملاحظات التي يستطيع القيام بها، فإذا اختار العالم دراسة الإنسان بالطرق الفيزيائية - الكيماوية، فمن الطبيعي أن يكتشفوا فقط المحددات الفيزيائية والكيماوية في حياته، وأن يجدوا أن جسمه هو آلية من الذرات، إلّا أنهم بذلك يهملون الخصائص الإنسانية التي لها، على الأقل، نفس القدر من الأهمية. . . والتعريف الميكانيكي لحياة الإنسان يخطيء الهدف؛ لأن ما هو إنساني في الإنسان هو نفسه بالتحديد "غير ميكانيكي") (¬٢).
ويقول: (منذ قرنين تقريبًا والإنسان الغربي يعتقد أن خلاصه سيأتي عن طريق الاكتشافات التكنولوجية، ولا جدال في أن المكتشفات التكنولوجية زادت من غناه المادي، وحسنت صحته العضوية، إلّا أنها لم تجلب له بالضرورة الغنى والصحة اللذين يولدان السعادة) (¬٣).
ويقول: (من أسوأ نتائج الحياة العصرية بالنسبة لمخطط "التحضر" الأمريكي "كيستوفر الكسندر" "عارض الاعتزال والاستقلال الذاتي"، يقول "الكسندر": إن أكثر الناس يستعملون بيوتهم من ضغوط العالم الخارجي ويمارسون العزلة الاجتماعية كشكل من أشكال وقاية الذات وفي النهاية يصبح الانسحاب والاعتزال عادة ويصل الناس لنقطة لا يستطيعون معها -بل ولا يريدون- السماح للآخرين بولوج عالمهم الذاتي الخاص بهم) (¬٤).
---------------
(¬١) سبقت ترجمته.
(¬٢) إنسانية الإنسان: ص ١٦٨.
(¬٣) المصدر السابق: ص ١٨٦.
(¬٤) المصدر السابق: ص ١٩٤.