كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
ثم يصف الجنوح الاجتماعي الشائع في أمريكا قائلًا: (. . . يجب اعتبار أكثر الناس في بلاد المدنية الغربية -وبخاصة أمريكا اليوم- من المجانين؛ لأنهم يتصرفون وكأنما المقياس الوحيد لسلوكهم هو إرضاء رغباتهم ودوافعهم الغريزية الآنية دون النظر لعواقب ذلك على باقي الطبيعة وعلى الذرية، وتستنكر الكتب المدرسية الملاحظة غير المسؤولة التي أطلقها (لويس الخامس عشر) "من بعدي فليكن الطوفان" ومع ذلك فنحن نستعمل الأرض كأننا آخر جيل يسكنها ونتصرف اجتماعيًا كأنما نريد أن نُعذر أعمالنا السيئة بالتساؤل: ماذا صنعت ذريتي من أجلي؟ ؟ . . . والخطورة ليست فقط مقصورة على "اغتصابنا" للطبيعة بل في تهديدنا لمستقبل البشرية نفسه) (¬١).
(وكل المجتمعات المتأثرة بمدنية الغرب تتبع "توراة التنمية" كعقيدة وتدور في دائرة تشبه "حلقات ذكر الدراويش" وتقول هذه التوراة: "انتجوا أكثر لكي تستهلكوا أكثر ثم لكي تنتجوا أكثر" ولا يحتاج الإنسان لكي يكون عالم اجتماع حتى يدرك أن هذه هي فلسفة مريضة مجنونة. . .) (¬٢).
ثم يضيف: (وأنا أشك أنا في استطاعة البشرية تحمل أسلوب حياتنا السخيف لمدة أطول دون أن تفقد أفضل ما في الإنسانية، وعلى الرجل الغربي أن يختار مجتمعًا جديدًا، وإلّا فإن المجتمع الحديث سيفنيه) (¬٣).
ثم ينقل كلام بعض علماء التقنية الغربيين القائلين بأن: (هناك عناصر في الموقف الحاضر يُمكن إيجاد أجوبة لها في التكنولوجيا، ولكن هناك عناصر أخرى لا يُمكن للتكنولوجيا أن تجيب عليها وهي تتعلق إلى حد ما بموضوع نظرتنا الفلسفية الأساسية بالنسبة للإنسان وما يعني تطبيقها) (¬٤).
ويقول: (أصبحت المدن العصرية، وبخاصة الحواضر الأميركية الضخمة كابوسًا مزعجًا؛ لأنها تفشل باطراد في توفير محيط مرضٍ للحاجات
---------------
(¬١) المصدر السابق: ص ٢٢٢ - ٢٢٣.
(¬٢) المصدر السابق: ص ٢٢٩.
(¬٣) و (¬٤) المصدر السابق: ص ٢٣٤ - ٢٣٥.