كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
ويقول في "رحلة نحو البداية": (الحضارة تجعلنا جميعًا خائفين كالأغنام، ثم تقتل أرواحنا من الجوع والجدب) (¬١).
ويذكر مؤلف كتاب "نهاية عمالقة في حضارة الغرب" تحت عنوان نهاية عمالقة أو عمالقة النهاية قائلًا: (إلى أي حد يجسد من اخترناهم من العمالقة أزمة لهذه الحضارة في سيرتها؟ وهل هي أزمة عابرة وطارئة تنصب على وظائف الحضارة، وتتجاوز بتصحيحها كما يتصور ذلك مرجو التفاؤل، أم أنها أزمة عضوية تنذر بالتفكك والانهيار كما يذهب إلى ذلك دعاة التشاؤم ومقروره؟ ففي نظر هؤلاء المتشائمين: الحضارة استلبت لإشباع شهوة الاستهلاك، متمردة على كل ما يوقف أو يحد من هذا المد سواء في ذلك الإطار القيمي أو الروحي بل وفي بعض المناحي الإنسانية، فالعد النازل قد بدأ لحضارة الأشياء بعد أن تنكرت للإنسانية وباسم الإنسان فاختنقت ذاتيًا، لا نتيجة لقوة أعدائها وخصومها أو من يتطلعون بميراثها، ولا مصداقية لنبوءات "كارل ماركس" الخاصة بالتدمير الذاتي للرأسمالية، فالتدمير حاليًا لا يُرى على مستوى شق معين من هذه الحضارة الغربية، وإنّما على مستوى شقيها الليبرالي والماركسي، فالأم واحدة وإن اختلفت المبررات، والوسائل والركيزة الثلاثية التي يعتمد عليها كل شطر توجد بالضرورة لدى الشطر الآخر، ونعني بذلك المعرفة التكنولوجية الأسس العلمية، التطبيق الصناعي، وما يملياه من برمجة وعقلنة على مستوى الانتاج والتبادل والاستهلاك. . . الأزمة أعم وأعمق نتيجة لتعدد العوامل المهيئة لها، بل بخصوصيات هذه الحضارة في حد ذاتها باعتبارها حضارة ركزت على الوعاء والقالب للإنسان كجسد إشباعًا ورفاهية ورخاء، وتلذذًا بالمقتنيات التي استلب بها في النهاية، ونسيت أو تناست، جهلت أو تجاهلت الأبعاد الأخرى للإنسان وفي الصدارة إنسانية الإنسان.
فـ "مركيز" (¬٢) أحد فلاسفة المصر حينما ركز على الإنسان ذي البعد
---------------
(¬١) رحلة نحو البداية: ص ١٧٨.
(¬٢) هربرت ماركيز أو ماركوز فيلسوف أمريكي ألماني الأصل أستاذ للفلسفة والسياسة في =