كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)

الواحد لهذه الحضارة، لم يكن بعيدًا عن هذا المنظور، ودعوته إلى مواجهة
حضارة التدمير وتجاوزها وما عاصر ذلك من أحداث في نهاية الستينات، متمركزة أساسًا في أواسط الشباب في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما، مما جعل هذا الفيلسوف يتصدر من بين المبشرين بأفول حضارة الغرب) (¬١) (¬٢).
وحقيقة الأمر أن واقع المجتمعات اللادينية في الأرض مما تعجز "العبارات عن تصوير فضائعه وانحداراته وجرائمه وأهواله وأزماته، والتي يزيد من خطورتها وفضاعتها أنهم يسعون في نشرها في العالم، ويسعى الأغبياء المقلدون في استجلاب هذه الشرور إلى مجتمعاتهم، وينادون بهدم الدين وتحطيم الأخلاق وتفكيك المجتمع، والتمرد على الأب والأسرة، محاكاة للغربيين الذين نادوا في أول عهد ما يسمى "النهضة الحديثة" بهذه الأمور، آملين أن يجدوا منبعًا آخر للأخلاق والروابط الاجتماعية غير الدين.
والواقع أنهم كانوا فاقدين للدين الصحيح، وسالكين في طرق الانهيارات الأخلاقية، فكانت مشكلتهم الخاصة أنهم يبحثون عن شيء يسد هذا الفراغ الهائل في نفوسهم، ويلتمسون منبعًا للأخلاق غير الدين، فانغمسوا في التصورات الفلسفية المادية القاحلة، فجاءت النتائج أنهم تخلوا كليًا حتى عن صورة الدين وإيحاءاته التي ظلت منذ زمن طويل -رغم التحريفات والخرافات في هذا الدين- تسقي شجرة الأخلاق عندهم، ثم
---------------
= سان دييغو في كالفورنيا، ولد في برلين ١٣١٥ هـ - ١٨٩٨ م، وتوفي سنة ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م. انظر: موسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٤٣٥، ومعجم الفلاسفة: ص ٥٧٦.
(¬١) ينبغي الإشارة هنا إلى مقال تركي الحمد الذي نشره في الشرق الأوسط بعنوان "هل أن الغرب يسقط؟ " والذي يقرر فيه أن سقوط الغرب بعيد، بل يكاد يقول بأنه مستحيل! ! ! .
(¬٢) نهاية عمالقة في حضارة الغرب لرشدي فكار: ص ١٢٩ - ١٣٠، وقد ذكر مجموعة فلاسفة ممن لهم رأي في قرب سقوط المدنية الغربية ومنهم راسل، وسارتر وهيدجر، وكارل جاسبرس وكامي.

الصفحة 2115