كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (اسم الجزء: 3)
جاءت الأجيال اللاحقة لتكون أكثر مادية وعلمانية من الأجيال السابقة لأنها توغلت أكثر في الابتعاد عن الدين والقيم، بل أصبحت تصفها بأنها مجرد وهم وخيال، وتلى ذلك النزول من المنحدر إلى المنزلق، ومنه إلى مستنقع المادية الحيوانية البحتة، ومن سطح المستنقع إلى عمقه إلى حمأة الطين الشهواني والحيواني.
وهكذا أزاحت العلمانية اللادينية ميثاق الحياة حين أزاحت الدين عن الحياة، ومع إقصاء الدين أقصيت الأخلاق لأنها أصلًا مستمدة من الدين.
أزيحت الأخلاق والدين عن السياسة، فأصبحت الغاية تبرر الوسيلة وأضحت البرغماتية النفعية أساسًا، وأزيحت عن الاقتصاد منذ الثورة الصناعية، بتحليل الربا، والغش والخداع والكذب وشغل الناس بالتوافه من أجل الربح، وشن الحروب وسلب خيرات البلدان، وترسيخ الاستعمار من أجل إيجاد الأيدي العاملة وإيجاد أسواق لترويج البضائع، وإشاعة الفواحش الإعلامية لجلب الأهواء الشهوانية، وأزيحت في مجال العلم التجريبي البحت فلم يعد البحث العلمي من أجل العلم والحقيقة -كما كانت الدعاوى الغربية- بل أصبح العلم مسخرًا للاستكبار والسيطرة ومصاحبًا للمصالح والأهواء والشهوات، بل أصبح وسيلة لإخراج الناس عن دينهم بدعوى أن العلم يناقض الإيمان.
أضحى العلم جسرًا للإلحاد، وسببًا اتخذه الملاحدة لتقويض الدين والأخلاق بزعم أن الدين والعلم التجريبي لا يلتقيان.
وأُزيح الدين والأخلاق من الفكر فأصبح التبجح بالكفر والرذيلة من سمات التقدم والتحضر! ! أمَّا الفنون ووسائل الإعلام، فقد أضحت السوق الواسعة لترويج الأضاليل والجاهليات والمفاسد الخلقية والرذائل السلوكية.
وهذه الأمور جميعها عملت في المجتمع عمل النار في الهشيم، وظهرت آثارها فيه ظهورًا صارخًا يدل غاية الدلالة على دمار آت، وأهوال قادمة على تلك المجتمعات.
ومع كل ذلك مازلنا نرى عبيد الأهواء والشبهات والشهوات يلجّون في