كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

ومن مفاسد الغناء: أنه يُغَيّر العقل، وينقص الحياء، ويهدم المروءة؛ ولهذا يرقص أهله كما ترقص القرود والدباب، ويتمايلون كما يتمايل المجانين والسكارى، ويصفقون كما تصفق النسوان، ولا يرون بهذه الرعونات بأساً، ومن له أدنى عقل لا يخفى عليه قبح هذه الأفعال ومضادتها للعقل وللحياء والمروءة. قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال، ويغير العقل، وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صحته من غيره من تحريك رأسه، وتصفيق يديه، ودق الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة، والغناء يوجب ذلك، بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل فينبغي أن يقع المنع منه. انتهى.
ومنها: أنه ينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر، قاله يزيد بن الوليد بن عبد الملك، قال الإمام محمد بن أبي بكر الطرطوشي المالكي في كتابه [النهي عن سماع الأغاني]: وقد شبه السماع بعض الشعراء بالخمر وأخبر عن تأثيره في النفوس فقال:
أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح
ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سروراً والسرور هناك صاح
إذا لبى أخو اللذات فيه ... ينادي اللهو حي على السماح
ولم نملك سوى المهجات شيئاً ... أرقناها لألحاظ ملاح
قال الطرطوشي: دل هذا على أن الغناء يخمر العقل كالخمر. انتهى. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى:

الصفحة 194