كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

والمعازف هي خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك، ومالوا إلى الفواحش وإلى الظلم، فيشركون ويقتلون النفس التي حرم الله ويزنون، وهذه الثلاثة موجودة كثيراً في أهل سماع المعازف، سماع المكاء والتصدية، أما الشرك فغالب عليهم بأن يحبوا شيخهم أو غيره مثل ما يحبون الله ويتواجدون على حبه. . وأما الفواحش فالغناء رقية الزنا، وهو من أعظم الأسباب لوقوع الفواحش، ويكون الرجل والصبي والمرأة في غاية العفة والحرية حتى يحضره فتنحل نفسه وتسهل عليه الفاحشة، ويميل لها فاعلاً أو مفعولاً به أو كلاهما كما يحصل بين شاربي الخمر وأكثر. وأما القتل فإن قتل بعضهم بعضاً في السماع كثير، يقولون: قتله بحاله، ويعدون ذلك من قوته، وذلك أن معهم شياطين تحضرهم فأيهم كانت شياطينه أقوى قتل الآخر، كالذين يشربون الخمر ومعهم أعوان لهم، فإذا شربوا عربدوا، فأيهم كانت أعوانه أقوى قتل الآخر، وقد جرى مثل هذا لكثير منهم، وقال الشيخ أيضاً في موضع آخر: ومن له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضلال والمفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد يفعل في النفوس أعظم مما تفعله حميا الكؤوس؛ ولهذا يورث أصحابه سكراً أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة كما يجد شارب الخمر، بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر، ويصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما

الصفحة 195