كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

يحب أن يغنوا له به، فإذا اختار لحناً جعلوا يغنون به ويتمايلون، ويضربون بالدفوف، وهم جلوس على أعقابهم بروك على ركبهم سماطين متراصين متقابلين، فيقوم صاحب الزار فيلعب بينهم أنواعاً من اللعب ويأخذ القمر فيقضمه بأسنانه، ويفعل غير ذلك من الأفعال الشيطانية، فإذا مَلَّ من اللعب ذهب من عند أصحابه يتدحرج على أم رأسه وظهره بغاية السرعة، ثم يطرح نفسه فيقوم أصحابه فيبخرونه بالعود ويتركونه حتى يفيق، وقد ذكر لي هذا الصنيع عمن أعرفه، وذكر لي عن آخر أعرفه أنه سكر مرة لما طربوا من الغناء والضرب بالدفوف، فمكث في سكرته سويعة ثم أفاق، وبالجملة فالأمر كما قال يزيد بن عبد الملك: إن الغناء ينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر، وكما قال محمد بن أبي بكر الطرطوشي وابن القيم رحمهما الله تعالى: إن الغناء صنو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه وخدينه وصديقه، وكما قال ابن القيم أيضاً في أبياته التي تقدم ذكرها.
إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النشوان عند ملاهي
واحكم بأي الخمرتين أحق بالـ ... تحريم والتأثيم عند الله
قلت: وَقَلَّ أن يوجد مفتون بشرب الخمر إلا وهو مفتون بسماع الغناء؛ لما بينهما من التناسب، ومن تتبع أخبار المترفين في زمان بني أمية وزمان بني العباس وما بعد ذلك علم صحة ما قاله محمد بن أبي بكر الطرطوشي وابن القيم رحمهما الله تعالى من أن الغناء صنو الخمر وحليفه وخدينه وصديقه، وقد ذكر ابن إسحاق وابن سعد والزبير بن

الصفحة 197