كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

بكار وابن عبد البر وغيرهم: أن عمر رضي الله عنه استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر فقال:
فمن مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تحدو على كل ميسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالصغر المتلثم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدم
فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر رضي الله عنه: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (¬1). أما بعد:
فقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدم
وأيم الله إنه ليسوؤني وقد عزلتك، فلما قدم على عمر رضي الله عنه بكَّته بهذا الشعر، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما كان من ذلك شيء، وإنما هو فضل شعر قلته، فقال عمر رضي الله عنه: إني لأظنك صادقاً ولكن والله لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلت، وإنما جمع النعمان في شعره بين شرب الخمر وسماع الغناء؛ لأنهم قرينان أخوان صديقان. وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن أبا سفيان لما أحرز عيره
¬__________
(¬1) سورق غافر، الآيات 1 - 3.

الصفحة 198