كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

هذا فيجب إطراح قوله وعدم الالتفات إليه.
والوجه الثالث: أن الأصوليين عرفوا المباح بأنه: ما خلا عن مدح وذم. وقد قدمنا من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة وإجماع من بعتد بهم من أهل العلم ما فيه كفاية في ذم الغناء وآلاته. ومن أنكر ورود الذم للغناء وآلاته فهو إما في غاية الجهل والغباوة، وإما مكابر معاند.
الوجه الرابع: أن في كلام أبي تراب كذباً ظاهراً على الشريعة المحمدية، حيث زعم أنه لم يرد فيها نص ثابت في تحريم الغناء وآلاته. وقد قدمت من الآيات والأحاديث ما يشهد بكذبه في هذه الدعوى.
ولا يخلو في دعواه هذه من أحد أمرين: إما أن يكون عالماً بالآيات والأحاديث الدالة على تحريم الغناء وآلات اللهو، وقال ما قال ههنا مكابراً معانداً، وإما أن يكون جاهلاً لا علم له بها. وكلا الأمرين عظيم. أما على الأول: ففيه شبه من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (¬1). وأما على الثاني: ففيه شبه من الذين قال الله تعالى فيهم: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (¬2).
الوجه الخامس: أن الأدلة ليست مقصورة على الكتاب والسنة، كما زعم ذلك أبو تراب، بل يستدل بهما وبالإجماع وبقول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف منهم على القول الصحيح، وبالقياس الصحيح عند جمهور العلماء، وبغير ذلك مما هو مقرر في كتب الأصول. ولم يخالف
¬__________
(¬1) سورة النمل، الآية 14.
(¬2) سورة يونس، الآية 39.

الصفحة 203