والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم. وقد تلقى علماء الأمة ذلك بالقبول والعمل به. وعلى قول أبي تراب يكون عمر رضي الله عنه قد أمر عامليه أبا موسى وشريحاً: أن يحكما بالشغب والباطل المردود. وهذا خلاف ما عليه المسلمون. ولهذا نظائر كثيرة، وفيما ذكرته ههنا كفاية. والله الموفق.
الوجه السابع: أن قول أبي تراب: لا يحل لمؤمن أن يعدو حدود الله قطعاً، عقب قوله: وما سواهما - فهو شغب وباطل مردود، يقتضي أن من عمل بالإجماع عند عدم الدليل من الكتاب والسنة، أو عمل بالقياس الصحيح أو بسنة الخلفاء الراشدين، أو بقول غيرهم من الصحابة إذا لم يظهر له مخالف - فقد تعدى حدود الله؛ لأنه قد عمل بالشغب والباطل المردود. وهذا رأي أحدثه أبو تراب لم يسبقه إليه أحد، وقد قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} (¬1).
الوجه الثامن: أن في كلام أبي تراب تلويحاً بالطعن فيمن نقل عنهم القول بذم الغناء وآلات اللهو من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم إلى زماننا ورميهم بتعدي حدود الله واتباع الشغب والباطل المردود. وقد صرح بذلك في قوله: وقد شغب قوم بأحاديث وردت بالمنع من ذلك. والأمر في الحقيقة بخلاف ما قاله أبو تراب، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم الأمة بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
¬__________
(¬1) سورة النساء، الآية 115.