وأتبعها للحق، وأبعدها عن الشغب والباطل، وتعدي حدود الله تعالى، وقد سار التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم إلى يومنا هذا، ولله الحمد والمنة. وشذ عن طريقهم كثير من المتبعين لهوائهم قديماً وحديثاً، فكانوا أولى بوصف الشقاق والمشاغبة واتباع الباطل وتعدي حدود الله. ومن هؤلاء محمد بن طاهر وأضرابه من الصوفية. وأبو محمد ابن حزم ومن تبعه على مذهبه الباطل في استحلال ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الغناء والمعازف. وهؤلاء ينطبق عليهم ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه يكون في أمته أقوام يستحلون المعازف. وما أكثرهم في زماننا، هدانا الله وإياهم، ووفقنا جميعاً لاتباع الحق واجتناب ما يسخط الله تعالى. وقد صرف أبو تراب الطعن عن أسلافه في الباطل وجعله في أهل الحق فكان كما قيل: رمتني بدائها وانسلت. وقد قال الله تعالى {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (¬1).
الوجه التاسع: أن أبا تراب قد تناقض في مقاله، فزعم ههنا أن ما سوى الكتاب والسنة فهو شغب وباطل مردود، ثم احتج فيما بعد بآثار رويت عن بعض الصحابة ولم تثبت عنهم، فقد حكم على نفسه بالصفة الذميمة: وهي معارضة الحق بالشغب والباطل والمردود، وحكم بذلك أيضاً على إمامه ابن حزم، وحكمه على نفسه وعلى إمامه مقبول؛ لمطابقته للواقع في نفس الأمر، فإن كلاهما في تحليل الغناء وآلات
¬__________
(¬1) سورة النساء، الآية 112.