فقد جمع بين ما فرق الله بينه، وهذا فساد في التصور وضلال عن الحق.
الوجه الرابع: أن من عظائم ما أتى به أبو تراب جمعه بين قراءة القرآن وبين الغناء والمعازف، وجعله الجميع من قبيل المباحات والملهيات، وهذه سفسطة من أبي تراب كتبها من غير تعقل ولا تدبر. ولو قيل: إنها زندقة لما كان ذلك بعيداً. وكيف يستجيز المسلم أن يسوي بين كلام الرحمن ووحيه وتنزيله. وبين نفث الشيطان وقرآنه ومزاميره ولو في بعض الأحوال. إن هذه التسوية الوخيمة لفي غاية الفساد. ومن اعتقدها فما قدر الله حق قدره ولا نزه كلامه حق تنزيهه. وكلام الله تعالى أعظم وأجل من أن يساوى بالمباحات ويجعل من قبيلها، فضلاً عن مساواته بالملاهي المحرمة المضادة للقرآن من كل وجه.
والله ما اجتمعا ولن يتساويا ... حتى تشيب مفارق الغربان
الوجه الخامس: أن جعل القراءة من قبيل المباحات خطأ ظاهر، فإن المباح: ما خلا عن مدح وذم، وقيل: ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وقيل: ما فعله وتركه سواء، ولا منافاة بين هذه الأقوال، بل هي متلازمة. وقراءة القرآن ليست من هذا القبيل، وإنما هي من قبيل الطاعات والقربات التي يثاب فاعلها ويعاقب تارك الواجب منها. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على قراء القرآن ووعدهم على ذلك الأجر والزيادة من فضله، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29)