كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (¬1)، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في مدح قراء القرآن وبيان ما أعد الله لهم في الآخرة من جزيل الثواب. وجاء عنه أيضا الذم لمن لا يقرأ شيئاً من القرآن، أو ينساه بعدما أوتيه، أو ينسى شيئاً منه. وليس هذا موضع ذكر الأحاديث في ذلك. وإنما المقصود ههنا التنبيه على خطأ من جعل قراءة القرآن من قبيل المباحات.
الوجه السادس: أن كون الشيء الحسن والمباح والحلال ملهياً في بعض الأوقات لا يلزم منه أن يكون مساوياً للغناء والمعازف. فإن الغناء والمعازف من الباطل، وأما الحسن والمباح والحلال فليس من الباطل. وأيضاً ففي الغناء والمعازف من أنواع المفاسد والمضار ما لا يوجد مثله في الشيء الحسن والمباح والحلال. وأيضاً فإن الغناء والمعازف محرمة لذاتها في جميع الأوقات، والحسن والمباح والحلال ليس كذلك، فإنه يجوز تعاطيه في كل وقت إلا لعارض: وهو ما إذا ألهى عن الفريضة فإنه يمنع منه حينئذ حتى تؤدي الفريضة، وأيضاً فإن الغناء والمعازف تماثل الخمر والميسر في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. والحسن والمباح والحلال ليس كذلك. وقد تقدم قريباً ذكر العلل في تحريم الغناء والمعازف. وفي كل علة دليل واضح على الفرق بين الغناء وبين الشيء الحسن والمباح والحلال. وعلى هذا فمن جمع بين الغناء وبين الحسن والمباح والحلال وجعل حكم الجميع واحداً فقد جمع بين ما فرق الله بينه. وهذا خطأ وجهل.
¬__________
(¬1) سورة فاطر، الآيتان 29، 30.

الصفحة 215